يتساءل الكثيرون منذ مئات أو آلاف السنين عن ماهية السعادة وأسبابها وهل هي دائمة أم مؤقتة 00 وغير ذلك من الأسئلة الكثيرة 0
وقد احتار الفلاسفة والكتاب قديما وحديثا في معنى السعادة ولا تزال الحيرة مستمرة 0
وقد تجد شخصا قدر الله فيه أن يولد أعمى ، فيحدثه شخص عن شيء وليكن مثلا قشرة بطيخ ، ويظل هذا الشخص يتحدث ويمدح ويثنى ويطرى على هذه القشرة ، لدرجة انك إذا سألت هذا الأعمى عن شيء وحيد يتمنى رؤيته ولو ثوينة 00 لربما قال لك أتمنى رؤية قشرة البطيخ ، فمن من وجهة نظره أن رؤية هذه القشرة تمثل له سعادة ما بعدها سعادة 0
وهكذا حال كل من فقد شيئا ترى فسعادته في حيازة هذا الشيء المفقود 0
وكما قلت سلفا أن هذا الموضوع تكلم فيه العديد والعديد من الفلاسفة والخبراء والمتكلمين ، وجميع آرائهم نحترمها ونجلها 0
وإضافة لما قالوه ، فان السعادة عندي هي عكس الشقاء ، وحينما تكلم الحق تعالى عن الأشقياء قال {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ }هود106 ، وفى موضع آخر يقول {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ }المؤمنون106 0
وحينما تكلم عن السعداء قال {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ }هود108 0
ومن هذه الآيات يتبين لنا أن السعداء في الجنة ونسأل الله أن نكون منهم ومعهم ، أما الأشقياء ففي النار والعياذ بالله 0
فإذا كان ذلك كذلك علمنا أن السعادة هي في طاعة الله والرضاء بما قسمه لنا في دنيانا ، أما الشقاء فيكون في عصيان الله والسخط على ما قدره لنا في دنيانا 0
وفى الحديث الشريف : من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا 0 رواه الترمذي ، وتعبير " حيزت له الدنيا " من وجهة نظري هو تعبير شامل لكل معاني السعادة ، وبالتالي فان السعيد هو من تتوافر فيه هذه الحالات : ــ
1 ــ أن يصبح آمنا في سربه 00 والسرب بكسر السين أي في نفسه , وقيل : السرب الجماعة , فالمعنى في أهله وعياله , وقيل بفتح السين أي في مسلكه وطريقه , وقيل : بفتحتين أي في بيته ، وقيل : البال والقلب والنفس والجماعة فيكون المراد من الحديث المبالغة في حصول الأمن ولو في بيت تحت الأرض ضيق كجحر الوحش أو التشبيه به في خفائه وعدم ضياعه 0
2 ــ معافى في جسده 00 لا يشتكى من ألم عضوي أو نفسي 0
3 ــ عنده قوت يومه أي كفاية قوته من وجه الحلال ، والمهم أن يكون قوته طيبا من حلال ، فلا يأكل خبيثا ومحرما ، ولا يأكل إلا ما جاء من طرق شرعية 0
هذه الشروط الثلاثة إذا توافرت في شخص فقد حيزت له الدنيا ، فهل الآمن في سربه المعافى في بدنه إذا لم يجد قوت يومه سيكون سعيدا ؟ بالطبع لا
وهل الآمن في سربه الذي يجد قوت يومه ولكنه عليل في بدنه سيكون سعيدا ؟ بالطبع لا
وهل المعافى في بدنه الذي يجد قوت يومه ولكنه ليس آمنا في سربه سيكون سعيدا ؟ بالطبع لا
وبدون إسهاب ، فانه إذا لم تجتمع هذه الشروط الثلاثة فلن يكون الإنسان سعيدا ، والسعيد حقا هو من كان سعيدا في الدنيا والآخرة ، ولن يكون ذلك إلا باتباع ما جاء في القران الكريم والسنة النبوية المطهرة 0
هذا ما أراه في شأن السعادة ، وبالتأكيد فان للأعضاء الكرام أراءاهم في هذه المسالة ، ولذلك اترك لهم الكلمة ليدلى كل عضو بدلوه في هذا الخصوص 0
وتمنياتي للجميع بموفور السعادة
مدحت الخطيب
|