<div align="center">الفقر يولد الإبداع
بقلم : حسين أحمد سليم آل الحاج يونس
قرية الصدر النموذجية
قدرا في كينونة العشق الروحي , أقمت سكني الطاريء بالفقر فوق فوهة البركان المتفجر بثورة الحب النفسي ... وولجت الحياة الدنيا من باب الهوى الواسع , أنشد كلمات من نوع آخر , ثورة الرفض في حكم الواقع , وفعل الاستمرار في عوالم الهيام ...
حملتني لشهور تسع في رحمها , تلك القروية الريفية , طيبة القلب والنفس , من جعل الله تعالى الجنة تحت أقدامها , وولدتني بالقهر والعذاب والفقر , ونزحت بي وإخوتي هربا من سوء العيش , وضعتني في " شقبانها " أمي وعربت بي إلى الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت , عاصمة لبنان التاريخية والجغرافية , طمعا بحياة أخرى غير ما قدر لها الله من النعيم الريفي المفتقر الى كل مقومات العيش والرفاهية التي كانت تحلم بها من بعد , وتتخاطر بها في الرؤى ...
سكن أبي المناضل المكافح المجاهد وأمي وإخوتي في بلدة الشياح عند تخوم العاصمة لجهة الجنوب , وبقينا ردحا من الزمن , نقيم في موخ من التنك , بين أشجار الصبار والزنزلخت والمقسيس والليمون والورود الجورية والياسمين .... هناك درجت طفولتي الأولى وهناك تعرفت الى وجودي الانساني الفقير...
سنتان فقط وحملتني الأقدار مع أبوي وأخوتي الصغار من بلدة الشياح المتوافقة مع قريتي البقاعية من حيث المناخ ونمط العيش , إلى حي فقير في مرحلة الرحيل والترحال من فقر الى فقر أكثر , وحططنا الرحال في حي السلم , حي الفقراء , الذي لا يستقبل الا الفقراء المعوزين النازحين من قرى الفقر في البقاع البعلبكي , أو قرى الفاقة في الجنوب المقهور بسبب العدوان الإسرائيلي الدائم ...
حي الفقراء , حي السلم , الذي أصبح فيما بعد مدينة الكرامة , نظرا لأكبر تجمع فيه لمن هم أمثال أبوي وإخوتي الفقراء , الذي راحوا يجاهدون بكل ما بوسعهم من أجل حياة سعيدة وكريمة بشرف وشهامة , فانتظموا في صفوف الأحزاب والثورات الإجتماعية المتعددة والتي أكسبتهم العنوان العريض في حي السلم , فأضحى مدينة الكرامة , على ما أطلق عليه بعض الساسة التسمية الميمونة والتي دفعنا ثمنها غاليا , عندما غزت زواريبنا وهدمت بيوتنا الأكواخ التنكية زمر السلطة العلية , قبل الإجتياح الإسرائيلي الغاشم ...
فس حي الفقراء , هناك تعلمت مباديء الحرف , في أول مدرسة بالحي التي حملت اسم " الغزالي " فيلسوف العرب القدماء ... وبرعت في فهم وحفظ الحروفيات العربية والتي كنت أترنم بها صباحا ومساء , الى حد متقدم , مما أزعج أبي الذي يقضي يومه بالتعب والكد ويأتي البيت الكوخ لنيل قسط من الراحة , فيقدم على كره ويضربني ويسكتني بالقوة فقط لأدعه ينام ...
وقسا الدهر علينا , وساءت الأحوال بنا في حي الفقراء المسمى تجميلا بحي السلم , وحي السلم نسبة لأدراج الأرض , التي تعلو بعضها بعضا , حسب ما لاحظت منذ صغري ... فنزحنا الى حوش الفقراء المعدمين في منطقة قريبة من بلدة الحدث الواقعة الى الجنوب الشرقي من العاصمة اللبنانية التي رفضت وما زالت قبولنا في أحيائها ولو خدما لبعض الأثرياء ... وحطت بنا الرحال مجددا بمحلة لا يسكنها الا خفافيش الليل والبوم وبنات آوى , تسمى " ضهر الريحان " ...
في هذه المنطقة المقطوعة عن الناس , أقمنا خيمتنا من القماش المقوى , وسكنا فيها عشرة أنفس , أبي وأمي وأنا واخوتي وجدي وجدتي لأبي ... وهنا والحمد لله , ركبنا صهوة العوز والجوع والفاقة والحرمان من أدنى مقومات العيش ... وصبرنا على الابتلاء بالفقر فليس عيبا أن يولد الانسان فقيرا ومحتاجا , بل العيب أن يبقى فقيرا إذا ما استطاع التحرر من الفقر إنما بشرف وكرامة .... وهذا غير متوفر في سوق البيع والشراء , فعلى من يرغب العيش الرغيد عليه أن يضحي بأغلى ما يملك وهو شرفه , وأن يبيع كرامته للإطاعيين في البلاد وما أكثرهم ...
زبانية السلطة الحاكمة في ذلك العصر استكثرت علينا حتى الفقر في بلادي , فلاحقتنا عبر رجالاتها الأشاوس الذين لا يعرفون إلا قهر الفقراء , ولا يرون الا بعيون الحكام مهما كانت ... حتى من الفقر حرموننا , وقذفوا بنا الى التشريد من زاوية شجرة الى زاوية شجرة ومن الاستناد الى صخرة الى الاستناد الى التراب ... ومنعتنا جلاوزة الحكومة العلية من النوم حتى على التراب , وحتى من العيش بالفقر الذي ولد معنا فغدونا والفقر أشقاء , الفقر الذي لم ولن يسابقنا عليه أحد ... وأجبرتنا على الرحيل من خيمتنا التي أقمناها بين أشجار الزيتون , على أرض اشتريناها بعرق الجبين , ودفعنا ثمنها من أتعابنا ... أجبرتنا زبانية الحكام الأشاوس على الرحيل خارج المنطقة ... وقذفت بنا في الطرقات ... نتسول وننام على الأرصفة الوهمية ... فلا يوجد في المنطقة طرقات ولا حتى أرصفة ؟؟؟!!...
الحالة المزرية العصيبة التي وجدنا بها , أثرت سلبا علينا جميعا , فكنا نفترش تراب الأرض في النهار والليل , ونأكل ونشرب ما تيسر لنا مما نكسبه من التسول هنا وهناك , لكي نبقى على كرامتنا وحفاظا على شرفنا ... وصبرنا على كره لما أصابنا في وطننا الذي تنكرت لنا فيه زمر الحكم والساسة والأقطاع ...
في غفلة من عين الناطور الحاكم , وفي غفلة من عيون خفافيش الليل التي كانت توشي بنا الى السلطات , أرسل لنا الله تعالى واحد من أهل الخير ... أشفق علينا وحن قلبه الينا , ورثى لحالنا وبكى والله مدرارا من الدموع أمامنا , وأقسم بالعظيم الجبار أن يحارب السلطة ويسعدنا ... وكان له ما به قد وعدنا , وساعدنا على إيجاد ملجأ لنا ... فإقمنا خيمتنا مرة أخرى في قرية ريفية على حدود مملكة الجامعة اللبنانية في ضاحية بيروت الجنوبية ... وكانت قرية جديدة تقام بين أشجار الزيتون والتين والليمون ... ومساكب النعناع والبقدونس والفجل والبصل ... وسميت تيمما باسمه المبارك , تخليدا لمعروفه الذي لا ينسى " قرية الصدر النموذجية " ...
في قرية الصدر النموذجية , بدأت مسيرتنا مجددا في متاهات الفقر العصري على مقربة من المدينة الجامعية ... أبي الرجل القروي الريفي الفقير راح يعمل ليل نهار بأشغال شاقة ومتعبة ليكفل لنا لقمة عيش كريمة , أمي القروية الطيبة القلب والنفس , البسيطة في تصرفاتها , المؤمنة بالله بالمطلق , المتكلة عليه , كانت دائما تقول " إتقوا الله فلن يتركنا وسوف يساعدنا يوما " ... أمي هذه تقضي طوال النهار , أمام أسرتها التي تتجاوز العشرة أنفس , تنفخ وتغسل وتطبخ على نار الحطب , فليس بمقدورنا شراء طباخ عصري , ولا شراء غسالة كهربائية ... أخوتي يعملون كلهم في أعمال بسيطة ... وأنا أشتغل في النهار بالأشغال الشاقة , وأعود مساء لأتابع دراساتي في المدارس الليلية خارج المنطقة التي أقمنا بها حديثا ... وعلي واجب المساعدة لإعالة أخوتي ومساعدة والدي ووالدتي , ومساعدة جدي العجوز وجدتي المتقدمة بالسن ... واجب أخلاقي وديني واجتماعي ...
" قرية الصدر النموذجية " التي كنت من المؤسسين لقيام بنيانها , وتنفيذ مشاريعها في البنية التحتية المطلوبة , وجدت فيها كل الأماني التي تراودني كفقير معدم ... وحققت فيها كل المراودات التي خاطرتني كإنسان لا حول له ولا قوة ... كان الفقر ربيبي وكان حبيبي وكان عشيقي , وبقينا كذلك وفاء واخلاصا فيما بيننا لم ولن يقدم أحد منا على فعل الفراق والخيانة للآخر ...
أحببت في " قرية الصدرالنموذجية " , وتزوجت فيها , وأنجبت فيها أيضا ... وما زلت أتابع حياة الفقر في " قرية الصدر النموذجية " , القرية الفقيرة بناسها وبيوتها وخدماتها ... لكن أهلها طيبون جدا بسطاء جدا مؤمنون جدا ... أحب كل الناس الذي يقطنون هذه القرية الفقيرة , وما زلت كذلك وفيا بحبي لهم , ما تركتهم أبدا , حتى في زمن الشدائد التي ألمت بنا ... ولم أسأل يوما إذا ما كانوا يحبونني أم لا ...
كل يوم أستيقظ مع صياح الديكة في " قرية الصدر النموذجية " , وما أكثرها ها هنا , فجميع الناس فقراء ويقتنون الدجاج بكثرة , للإستفادة منه في البيض البلدي ومن ثم طهيه لا حقا والتلذذ بلحمه الطري ...عفوا أيها القاريء على الإستطراد الجاحظي , وصبرك علي ... فأنا في الصباح الفجري أحمل نفسي على التثاؤب من النوم , وأنهض متثاقلا للوضوء من سوءات الجسد ونجاساته ... ثم أنتظر رفع أذان الصبح لأقيم صلاتي قربة لله تعالى , وصلاة الفقراء تختلف كثيرا عن صلاة الآخرين , فهي صلاة ملؤها البكاء والدموع والتضرع والتهجد وطلب المرضاة من رب العالمين ... وخبزنا كفاف يومنا ....
ما زلت حتى كتابة هذه السطور من هذه الرواية القصصية , أتناول الفطور الصباحي من كسر الخبز اليابس في بيتنا , أرش عليه الماء فيطرى , أرش فوقه قليلا من السكر وبعض الزيت ... وأتناول لإفطاري هكذا ... ولا يختلف غذائي كثيرا ولا حتى عشائي , هي حياتي الفقيرة التي تعودت عليها منذ طفولتي في كل المناطق التي عشت فيها ... وأيضا في " في قرية الصدر النموذجية " في الفقر وفي العيش وفي العبادات لله تعالى ... مع بزوغ أشعة الشمس , أحمل محفظتي السمسونايت , وهي جراب من القماش الخام الأبيض الملون بالكتابة , خاطته لي أمي من بقايا كيس الطحين الذي اشتراه أبي يوما لتعجن منه أمي وتخبز على الصاج مرقوقا , مبتلا بالفقر والبكاء ...
في صباحاتي أحمل محفظتي كيس الخام , والذي يحوي بعض أقلام الرصاص وبعض شقف الورق الممزقة , والتي أكتب عليها مذكراتي كلما سنحت لي الفرصة ... وأقوم بالتجول في زواريب " قرية الصدر النوذجية " ... أتفحص كل الأشياء فيها , ألمس كل الموجودات فيها , لست أدري لماذا ؟؟!!.. وأتنشق رائحة مساكب البقدونس والنعناع والبصل والكزبرة فيها ... وأكمل جولتي الصباحية الى زواريب مدينة الكرامة , حي الفقراء في حي السلم ... يسبقني الفضول لمراقبة كل الأشياء ... وأعود الى خيمتنا المصنوعة من شعر الماعز وصوف الغنم ... وأستلقي على بساط مصنوع من بقايا الأقمشة البالية التي لم نعد نستعملها ... وأستند الى مخدة قاسية من بقايا قشور حبيبات القمح الذي سلقته أمي وجرشته لتصنع منه البرغل , قوتنا الأساسي واليومي في عالم الفقر الدولي عند تخوم عاصمة لبنان بيروت في الضاحية الجنوبية ... وأكتب مذكراتي وخواطري وكتاباتي ... وأرسل للصحف ما أكتب لينشر لي ...
من يصدق أن في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت عاصمة لبنان , تقوم " قرية الصدر النموذجية " مدينة الفقراء ... مدينة القرويين , مدينة أهل الريف , الذين هجروا أريافهم هروبا من الفقر اللاحق بهم ... الى التقرب من المدينة الغنية , علهم يستفيدون ببعض بقايا الأغنياء في هذا الزمن الحقير بكل شيء ... من يصدق أن في " قرية الصدر النموذجية " يوجد من لا يستطيع إيجاد لقمة عيش له , فيمارس الصيام القسري لأيام وأيام ... ويقتات أخيرا بما يبحث عنه في صناديق النفايات ... من يصدق أن في " قرية الصدر النموذجية " لا وجود للسلطات المختصة والتي تقع على عاتقها خدمات الناس ... لله درهم نصبوا أنفسهم للناس قارة بهتانا وزورا ... في " قرية الصدر النموذجية " يتعاون الأهالي على خدمة أنفسهم بأنفسهخم في وطن يسمى بالعرض والطول وطن ... ولا يعرف عن مواطنيه شيئا .... وهل يعرف لبنان الوطن أن في " قرية الصدر النموذجية " يسكن كتاب وأدباء وشعراء وفنانون ورسامون ومبتكرون ومخترعون ... ولكن لا حياة لمن تنادي ... لم ولن يعرف منهم أحد لأنهم ليسوا من رجال السلطان والتزلف للمقامات السياسية الحاكمة زورا وبهتانا ... وليسوا يتقنون نقيق الضفادع في المستنقعات ...
في خيمتنا المنصوبة بين المساكب المتموجة بعروق النعناع والبقدونس والبصل والفجل , أكتب مذكراتي ووجدانياتي وأرسم لوحاتي الفنية وأصمم غزلياتي للصبايا في " قرية الصدر النموذجية " ... إذ ليس في قريتي هذه من صبية إلا ونظمت لها قصيدة غزل ... وليس في قريتي من أنثى إلا وكتبت لها رسالة حب ... وليس في قريتي من جنين أنثى إلا وتواصلت معه في رحم أمه , بحكم الجلاء الفكري النظيف والتخاطر النفسي الشفيف , الذي منحني الله وهي مواهب للفقراء فقط وحصريا لهم ... ولا يمنح شرفها الله إلا للفقراء ...</div>
|