السادات بعد ربع قرن
هذا الأسبوع يمر25 عاما علي رحيل الرئيس أنور السادات في حادث المنصة الشهير الذي وقع عام1981, خلال الإحتفالات بذكري انتصار أكتوبر, وجاء ت عملية اغتيال السادات بعد أحداث سبتمبر من نفس العام والتي اعتقل أكثر من1500 شخصية من رموز الفكر والسياسة. وقد أثيرت حول الرئيس الراحل مناقشات عديدة وزوابع كثيرة, فبالرغم من أنه بطل الحرب والسلام حيث قاد حرب أكتوبر المجيدة, ووقع معاهدة السلام التي استعادت مصر بموجبها كل الأراضي المصرية من إسرائيل إلا أن الكثيرين يرون أنه وقع في أخطاء كثيرة, بل ويحاولون أن يهيلوا التراب علي إنجازاته.
وفي هذا الملف الشامل نقدم تحليلا شاملا لمسيرة السادات ونناقش آراء مؤيدي سياسته.. وأيضا آراء معارضيها.
لا يري معارضو الرئيس الراحل أنور السادات في عهده أي إنجازات.. بل ويعتبرون أكبر إنجازاته وأعماله التي يفترض أن تحسب له إما ناقصة, أو أنها جاءت بإملاء من الخارج, أو أنها كانت تحمل نيات سيئة, أو أنها ربما مجرد محصلة جهد فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.. وفي هذا ظلم كبير للسادات ولفترة حكمه, بغض النظر عن إيجابياتها وسلبياتها وإفرازاتها, وظلم كبير للجيل الجديد الذي لا يسمع عن رئيس بلده السابق سوي الهجوم والإهانات والاتهامات.
والآن, وبعد25 عاما علي رحيل السادات, بات ينبغي علي المعلقين المحايدين أن يبدأوا في إعادة النظر في أسلوب كتابتهم للتاريخ بما يتماشي مع المتغيرات الداخلية والإقليمية والعالمية التي وقعت في الـ25 عاما الماضية, وأن يتمكنوا من الاطلاع علي التاريخ بمنظار أكثر اتساعا. فلقد كانت للسادات أخطاء بالتأكيد, وكانت له اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ ويختلف حولها المؤرخون والمعلقون, ولكن بالتأكيد كانت له نجاحات, يجب الإشارة إليها والدفاع عنها, بشكل موضوعي,
وفيما يلي أبرز الانتقادات التي وجهت إلي السادات, أو أبرز المحطات في حياته وفي تاريخ مصر التي هاجمه بسببها المعارضون:
الماضي الأسود!
تحدث كثير من المعلقين بشيء من التهكم والتشكك عن الماضي السياسي للسادات, وقد كان سياسيا نشيطا منذ شبابه, فاعتقلته السلطات البريطانية مرتين بتهمة الاتصال بالألمان في أثناء الحرب العالمية الثانية, ثم ارتبط اسمه في تلك الفترة بعملية اغتيال السياسي المصري أمين عثمان عام1946 بعد أن اتهمته الحركة الوطنية بالتعامل مع الإنجليز, وظل كثيرون يتهمونه بأنه كان عميلا لمخابرات دول غربية قبل قيام الثورة, ومنهم من اتهمه بأنه لم تكن له علاقة وطيدة أصلا بالضباط الأحرار,
وأنه لم يكن حاضرا عشية قيام الثورة يوم23 يوليو عام1952, والرد علي هذا الهجوم يكاد يتركز في تعليق واحد هو: إذا كان السادات بهذه الـ'الخلفية' السياسية, فلماذا اختاره عبد الناصر في الضباط الأحرار, ولماذا أسند إليه عدة مناصب مرموقة في مجلس قيادة الثورة وفي سدة الحكم وأبرزها منصب رئيس مجلس الأمة الذي شغله في الفترة من1960 إلي1968, بل ولماذا اختاره نائبا له في عام1969 ؟! وبعد ذلك, هل كان التفاوض مع الولايات المتحدة وإسرائيل جريمة يحاسب عليها السادات؟ وإذا كان الأمر كذلك, فهل كل من التقي مع مسئولين أمريكيين وإسرائيليين منذ ذلك الحين أو تقارب مع الغرب أو طبق اقتصاديات السوق ارتكب الجرم نفسه؟ وهل كان مطلوبا من مصر أن تظل في أحضان المعسكر الشرقي حتي انهياره؟!
'أصغر' من المنصب
أول الأعمال التي تحسب السادات لاعليه كرئيس, هو أنه نجح في إعادة الاستقرار النفسي للمصريين بعد فقدان قائدهم جمال عبد الناصر, حيث تم انتقال السلطة إليه بصورة سلمية بوصفه نائبا لـ'ناصر', وهذا الانتقال الهاديء الحزين يصعب أن تشهده منطقتنا العربية حتي يومنا هذا, فكان من الممكن أن يصحب رحيل عبد الناصر اضطرابات وأزمات داخلية طاحنة أو صراع علي السلطة لا يعرف أحد عواقبه, ولكن السادات تولي مهام منصبه في وقت سريع وبدأ يباشرها بكل قوة رغم صعوبة الموقف الداخلي وتعدد التيارات والشخصيات الساعية إلي البقاء في الصورة.
أطاح بخصومه
جاءت قرارات السادات التي عرفت وقتها باسم' ثورة التصحيح' أو فلنسمها صراحة إبعاد أبرز رجال الحرس القديم, لكي تمهد الطريق أمام قيام حكومة قوية ذات سيادة بدلا من الوضع الذي كان قائما, والذي كانت تديره مراكز القوي, والتي كان استمرارها سيعوق صلاحيات وسلطات أي رئيس جديد, وهذه الخطوة أثارت ردود فعل كثيرة غاضبة من أصحاب هذه المراكز أو المستفيدين من بقاء الأوضاع وقتها علي ما هي عليه, والبعض منهم كان يتعامل مع السادات علي أنه' أصغر' من هذا المنصب الجديد, أو أنه يمكن أن يكون لقمة سائغة لهم, وهذه النظرة له كانت وراء ما قام بها وقتها.
أحضان الغرب
طرد السادات الخبراء السوفييت من مصر والذين بلغ عددهم وقتها17000 فرد, وأوقف الاعتماد المصري الدائم علي الاتحاد السوفييتي في المجال العسكري, وهذه كانت خطوة ما كان يقدم عليها وقتها رئيس أي دولة كانت تنضوي تحت لواء المعسكر الشرقي, والغريب أن السنوات أثبتت بعد نظر السادات في هذا القرار, ليس بسبب اعتماد مصر علي قدراتها الذاتية في حرب73 فقط, ولكن لأن المعسكر الشرقي انهار برمته قبل نهاية القرن العشرين, ولم يعد هناك سوي القطب الواحد.
قرار الحرب
أعاد السادات في أقل من ثلاث سنوات بناء ما أمكن بناؤه من القوات المسلحة المصرية التي كانت قد انهارت تماما في حرب1967, وبلغت حرب الاستنزاف ذروتها في سنوات حكم السادات الأولي إلي الدرجة التي بدأ فيه الرأي العام الداخلي يشعر بأنه بات مهيئا للحرب بل و'يستعجل' صدور قرار شن الحرب, ولم يكن هناك سوي إطلاق الطلقة الأولي في المعركة, بغض النظر عن توافر100% من الإمكانيات العسكرية أم لا.
وكان أسلوب اتخاذ قرار الحرب هذه المرة وأسلوب التعامل الإعلامي معها يتميز في73 بأنه استفاد من جميع أخطاء ما حدث في1967.
إدارة المعركة و'الثغرة'
لا تحتاج حرب أكتوبر1973 إلي كثير من التعليق, وقد أنصفها- للأسف الشديد- المحللون والخبراء الغربيون, بل والإسرائيليون, أكثر مما أنصفها المعلقون والخبراء العرب, وحتي ما يتعلق بواقعة' الثغرة' الشهيرة والطريقة التي انتهت بها الحرب والجدل الذي أثير حول' تطوير' الهجوم وعدم تطويره, كل هذا لم يكن من الداعي تضخيمه إلي الدرجة التي يعتبر فيها البعض أن المعركة انتهت علي عكس ما أرادت مصر أو في غير صالحها, فهذا حكم غير موضوعي علي الإطلاق, لأن السادات نفسه لم يكن قد وضع ضمن أهداف دخوله هذه الحرب من البداية تحرير سيناء بالكامل عسكريا أو الوصول إلي تل أبيب أو غير ذلك من الأحلام والأوهام غير القابلة للتحقيق علي أرض الواقع, بل كان هدفه الأساسي هو التحريك السياسي والدبلوماسي لقضية الأرض المغتصبة, وهو ما تحقق بالفعل,
أما موضوع الثغرة الذي' شبع بحثا وحديثا' فلم يكن مؤثرا من الناحية العسكرية علي محصلة المعركة في نهاية الأمر, والدليل علي ذلك أنه لم يضف إلي المفاوضين الإسرائيليين فيما بعد أي' وضع قوة' إضافي عما كان عليه الوضع علي الأرض, ويحسب للسادات في هذه المعركة حرصه علي الحفاظ علي القوات المسلحة المصرية بدلا من إلقائها في نيران مواجهة عسكرية غير متكافئة مع الولايات المتحدة.
الكامب.. والخيانة
يرتبط بهذه الحرب أيضا قرار زيارة إسرائيل ثم التوقيع علي اتفاقية كامب ديفيد بكل ما أثارته من جدل وتغيرات وبكل ما أعقبته من قطيعة عربية واتهامات بالخيانة والعمالة إلي شخص الرئيس المصري وبذاءات وإهانات شخصية ما زالت مستمرة حتي يومنا هذا, وكان كل ما فعله السادات هو أنه اختار الطريق التفاوضي لاستعادة الأرض, وعلي الرغم مما قيل ويقال عن أن الاتفاقية أجحفت بحق مصر وأن مصر لم تستعد الأرض فعليا وأنها لا تمارس كامل سيادتها علي سيناء, يكفي الاقتباس من المعلومات القيمة التي سردها السفير محمد بسيوني في مقاله الأخير بـ'الأهرام'
وفي مقابلة أخيرة مع قناة' العربية' حول بنود هذه الاتفاقية, وجاء فيها: أن سيناء مقسمة إلي ثلاثة أقسام, المنطقة أ والمنطقة ب والمنطقة ج, وقد روعي فيها التدرج وتخفيف القوات من الجانبين علي الحدود لمنع التصادم, وأضاف أن المنطقة' أ' تمتد من قناة السويس حتي المضايق ويـوجد فيها22 ألـف جنديو230 دبابة و480 عربة مدرعة, أما المنطقة' ب' الواقعة وسط سيناء ففيها4 آلاف جندي, وهم عبارة عن4 أفواج حرس حدود, ويوجد في المنطقة' ج' علي الحدود مباشرة قوات شرطة, وتمت إضافة450 جنديا مصريا من حرس الحدود.
ويستطرد بسيوني تعليقا علي ذلك قائلا:' إذن عندما نقول إن سيناء منزوعة السلاح, فهذا ادعاء تنقصه الدقة. اضافة إلي هذا, ففي حالة حصول أي اعتداء اسرائيلي, فانه في امكان القوات المصرية غرب قناة السويس تقديم الدعم اللازم.
القطيعة العربية
لم تسع مصر إلي القطيعة, بل كان من حقها في ذلك الوقت أن تلجأ إلي خيار السلام بعد أن أنهكها خيار الحرب, خاصة وأنه وضح أمام السادات أن تبعيات الحرب وعواقبها تتحمله دائما مصر وحدها, أما من يستدرجونها لساحات المعارك فلا يقاتلون ولا هم يحزنون, ولهذا كانت سياسته تقوم علي أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب, وأن الجيش المصري هو للدفاع عن أرض مصر وحدها, وكانت مقولته الشهيرة:' مصر أولا', وهذا ليس عيبا لأنه أراد أن يتفرغ المجتمع المصري للتنمية والنهضة الاقتصادية والإصلاح السياسي, أما أن تعترض هذه التنمية والنهضة والإصلاح عقبات وسلبيات كثيرة بسبب ظروف خارجية وأخطاء داخلية فهذه قضية أخري.
الانفتاح
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ماذا لو لم تطبق مصر سياسة الانفتاح الاقتصادي واقتصاد السوق الحرة منذ منتصف السبعينيات؟ ماذا لو بقي اقتصادها اشتراكيا منغلقا حتي التسعينيات مثلا؟ لقد كان قرار الانفتاح صعبا في حينه, وكانت له آثار موجعة علي المواطن المصري البسيط, بل والمتوسط, ولكنه كان شرا لابد منه في هذه الفترة, صحيح أنه كانت هناك أخطاء في التطبيق مما أدي إلي ارتفاع الأسعار وظهور' القطط السمان' في المجتمع المصري, وهو ما أدي إلي تفجر الوضع لاحقا في أحداث يناير, إلا أن القرار الذي اتخذته القيادة السياسية وقتها كان شرا لابد منه.
الإسلام السياسي
يتهم أغلب المحللين السادات بأنه هو المسئول عن ظهور جماعات الإسلام السياسي علي الساحة, حيث قيل إنه وفر لها أرضية العمل السياسي المشروع في الشارع المصري وفي الجامعات لـ'ضرب' الشيوعية, وهو ما انقلب ضده في نهاية الأمر, فتحولت هذه الجماعات الدينية إلي كرة ثلج ضخمة كبر حجمها منذ انتهاء حرب أكتوبر وحتي عام1981 الذي شهد مقتل السادات بأيدي عناصر من هذه الجماعات, التي ظلت عملياتها خطرا يهدد المجتمع المصري.
وعلي الرغم من التداعيات الخطيرة التي أحاطت بتنامي نفوذ جماعات الإسلام السياسي في مصر في فترة السبعينيات وما بعدها, فإنه يمكن النظر إلي هذه النقطة بصورة أكثر إيجابية, إذ يحسب للسادات أنه أراد عودة دور' الدين' الغائب إلي الشارع المصري, هذا الدور الذي كان له أكبر الأثر في نصر أكتوبر, كما أن ما شجعه السادات في عهده كان الإسلام المعتدل وليس المتطرف, ويحسب له أنه في عصره لم يصبح المسجد مكانا يرتاده أصحاب المعاشات وكبار السن فقط, وإنما أصبح الشباب من رواده أيضا, أما تيارات الإسلام السياسي فهي موجودة علي الساحة منذ نشأة الإخوان المسلمين,
كما أن اتجاهها إلي التطرف كان بسبب تغيرات داخلية وأخطاء سياسية واقتصادية كان السادات مسئولا عنها قبل أي طرف آخر, وهذا شيء آخر.. فهل كان هو أيضا مسئولا عن ظهور قوات المجاهدين في أفغانستان آنذاك إبان الغزو السوفييتي؟!
العائلة
انتقد كثيرون مفهوم العائلة الذي أدخله السادات علي الساحة السياسية المصرية, وما تضمنه ذلك من تركيز سلطات كثيرة في يده وانفراده باتخاذ قرارات مصيرية بوصفه' كبير العائلة', وهذا صحيح إلي حد كبير, خاصة وأن الأمر بلغ وضعا غير مقبول في اعتقالات سبتمبر الشهيرة التي سبقت اغتياله وكان ضحيتها1600 معتقل من كبار المفكرين والسياسيين, ولكن يحسب للسادات قبل ذلك أيضا أنه هو الذي أعاد بوادر الحياة الديمقراطية ووسائل حرية التعبير إلي البلاد بعد غياب طويل, وأعاد الأحزاب السياسية بعد أن ألغيت منذ قيام الثورة, وأسس الحزب الوطني الديمقراطي وترأسه,
وفي عام1976 أجريت انتخابات تتسم بقدر كبير من النزاهة عرفت بعد ذلك باسم' انتخابات ممدوح سالم', وكان دور القضاء فيها مقصورا علي رئاسة اللجان العامة وإجراء الفرز. وبالتأكيد فهذه القرارات والتغيرات السياسية مثيرة للجدل بطبيعتها, وما زال الكثير يختلفون حولها حتي يومنا هذا, ولكن التاريخ يسجل أن السادات كان ينبغي أن يتخذ قرارات حاسمة في توقيتات صعبة, وفي أغلب الحالات لم يكن أمامه القابلية للانتظار والتلكؤ في كثير من القرارات, ولكن هذا لا يعني أنه كانت له أخطاء كثيرة, خاصة فيما يتعلق بقضايا الوضع الداخلي, وأسلوب تطبيق قرارات الانفتاح الاقتصادي وما أدي إليه ذلك من أحداث يناير الغاضبة, وكذلك أسلوب التعامل الأمني مع التيارات الدينية الإسلامية والقبطية علي السواء, وأحداث الفتنة الطائفية واعتقالات سبتمبر1981, واستضافته لشاه إيران المخلوع قبل وفاته, والانفراد في اتخاذ كثير من القرارات... ويبقي السادات مثيرا للجدل.. والاحترام.
منقول من صحيفة الأهرام المصرية
--------------------------------------------------------------------------------
|