لماذا يا بابا الفاتيكان
هذا الحقد على الإسلام ؟
لطفي زغلول
لم تكد تهدأ قليلا عاصفة التهجم الحاقد على الرسول الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم على خلفية الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية ، حتى فوجىء المسلمون بعاصفة حقد هوجاء اخرى تهب على الإسلام عقيدة ورسولا ، أثارها هذه المرة بابا الفاتيكان بنديكتوس السادس عشر الألماني الأصل ، في خطاب له مؤخرا في إحدى جامعات ألمانيا بحضور مئات الكهنة والرهبان الكاثوليك من شتى أنحاء العالم الكاثوليكي .
في خطابه تعمد البابا اقتباس حوار دار في القرن الرابع عشر بين الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني وفيلسوف فارسي حول دور نبي الإسلام محمد عليه السلام . وقد اقتطف البابا من هذا الحوار ما قاله الإمبراطور للفيلسوف : " أرني ما هو الجديد الذي جاء به محمد . إنك لن تجد إلا الأشياء الشريرة وغير الإنسانية ، ومثالا تبشيره بالدين الذي جاء به بحد السيف والإكراه .
وقد يقول قائل كما ادعى البابا ان هذا الكلام ليس للبابا ، وانما هو اقتباس . والرد على هذا التبرير يتمثل في ان البابا قد تعمد اقتباس هذا النص الذي يحمل الحقد على الإسلام عقيدة ورسولا ، ويشوه صورتهما تشويها خطيرا ، ويفسح المجال أمام الكثيرين لاستباحته وانتهاك حرماته واتخاذ مواقف معادية منه .
وهنا فثمة الكثير الكثير الذي يمكن ان يقال لبابا الفاتيكان الذي سمح لنفسه بغير حق ولا مبرر ان يتطاول على الإسلام والرسول الكريم . إلا أن أول الكلام ليس لنا نحن المسلميـن ، وانما لمجلة نيويورك تايمز الأميركية التي كتبت في عددها الصادر يوم السادس عشر من إيلول / سبتمبر : " إن تصريحات البابا بنديكتوس السادس عشر ضد المسلمين مفجعة وخطيرة .
إنها ليست المرة الأولى – والكلام لنيويورك تايمز – يحدث البابا شقاقا بين المسلمين والمسيحيين ، وإن الإعراب عن الأسف لعدم فهم المسلمين هذه التصريحات غير كاف ، وانما يجب ان يكون هناك اعتذار شخصي عميق ومقنع للمسلمين . واضاف نيويورك تايمز " وهو قبل ان يصبح البابا وتحديدا في العام 2004 ، أعلن أنه يرفض دخول تركيا الى الإتحاد الأوروبي المسيحي لأنه مسلمة . والإسلام نقيض المسيحية على حد قوله " .
وثاني ما يمكن ان يقال – والحديث لنا – فيما يخص مفهوم " الإقتباس " . فكما هو معلوم ان الاقتباس حالة واعية مقصودة في حد ذاتها ، تتم عن قناعة المقتبس بما يقتبسه ورضاه عنه وتاييده المطلق له ، وهذا فعلا ما حدث مع البابا باقتباسه نصا مسيئا للإسلام ، نبش عليه بين المراجع حتى وجده ، وأذاعه ، وقذفه في وجوه المسلمين غير آبه بمشاعرهم التي سيجرحها ، ولا بردود أفعالهم أيا كانت .
وثالث ما يمكن ان يقال للبابا تذكيره بمواقفه وافكاره المعادية للاسلام ، وذلك يوم كان استاذا للاهوت في بلده المانيا ، قبل ان يتولى رئاسة الفاتيكان . ومما لا شك فيه ان هذه الهجمة على الاسلام لم تأت صدفة ، وانما هي امتداد لماضيه المعادي لكل ما هو اسلامي ، كما وسبق ان اشارت نيويورك تايمز الأميركية .
ورابع ما يمكن ان يقال للبابا يتمثل في سؤال نوجهه له : بأي حق يبيح لنفسه الحديث عن الاسلام ، والتهجم عليه عقيدة ورسولا وفكرا ؟ . وما هي الدوافع وراء كل هذا ، وهل كان يعتقد – ونحن لا نظن ذلك – ان ما قاله سوف يقبله المسلمون ، ولن يغضبوا لنصرة دينـهم ، ونبيهم الكريم ؟ . وكثيرة كثيرة هي الأسئلة في هذا الصدد .
وخامس ما يمكن ان يقال في هذا السياق ، وقد لا يكون الأخير سؤال نوجهه له : لماذا يعتقد ان المسلمين لا يتناولون الديانة المسيحية بالنقد والتجريح والتطاول على كافة الصعد ؟ . أليس لأن الدين الإسلامي متسامح عقلاني يحترم الديانات بعامة ، والمسيحية بخاصة ، ويقدس نبيها عليه السلام ، وهو علاوة على ذلك يتعايش بكل أمن وأمان وسلام دون إكراه ولا إيذاء مع المؤمنين بها ؟ .
ولنعد إلى التاريخ ، وهنا فاننا نجد من حقنا باعتبارنا مسلمين من واجبنا حماية عقيدتنـا ، والتصدي لمن يتطاول عليها ، وعلى رسولها الكريم – والبادىء أظلم – أن نذكر البابا بسجل متخم بالتعديات على الإسلام جراء تحريض كنيسته ، ومثالا لا حصرا التحريض على الإسلام والمسلمين في العصور الوسطى ، الأمر الذي أدى إلى إشعال نيران الحروب الصليبية الحاقدة ، والتي أزهقت أرواح مئات الآلاف من المسلمين ، واحتلال ديارهم ، ونهب ثرواتهم وخيراتهم .
وفي التاريخ الحديث نسأله : بماذا يفسر هذه الحملة المعادية للإسلام عقيدة ورسولا وقيما وثقافة وتفكيرا ونهج حياة في أوروبا وأميركا المسيحيتين ؟ . فمرة يهاجم القرآن الكريم ويمزق ويحرق ، ومرة يتعرض الرسول محمد عليه السلام للنيل منه بشتى الأساليب الخسيسـة ، ومرة تنتهك المحرمات الإسلامية ، وغيرها يتعرض المسلمون الذين تلصق بهم صفات العنف والجريمة والإرهاب والفاشية زورا وبهتانا ، وكل ذلك يجري تحت ظلال صمت كنيسته وصمته .
كلمة أخيرة ، لقد أمل المسلمون حتى اللحظة الأخيرة ، أن يتراجع البابا عن أقواله ، وان يعتذر للمسلمين في عظة يوم الأحد السابع عشر من إيلول / سبتمبر ، إلا أنه وبدل ذلك أسف على ردود أفعال المسلمين المحتجين على ما قاله . وبذا فهو يكرس أقواله ويصر عليهـا ، وهذا أمر مستغرب ومستهجن ومرفوض في آن واحد ، وله دلالاته ومراميه .
وهنا فاننا نرفع أيدينا إلى السماء داعين الله العلي القدير ان يجنبنا جميعا عواقب التعنت والإصرار على الخطأ والخطيئة ، وان يبعد عنا شبح صراع الحضارات والديانات التي يعمل المغرضون والحاقدون على الإسلام في أوروبا وأميركا على إضرام نيرانها . وصدق الله العظيم في قرآنه الكريم " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " .
|