أصعب لحظات اليأس
كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل ، والسماء تمتلأ بالنجوم وسكون الليل لا يهزه إلا صوت أمواج البحر التي تعانق الصخور، كان يجلس وحيداً على شرفته يراقب النجوم ويستمتع بهدوء الليل .
لقد أحس في هذه الليلة أن هناك فرحة غامرة تجتاحه ، أحس أن هناك ولادة جديدة لأحلامه الجميلة ، كان يستمتع بصوت أصالة وهي تصدح بأغنيتها العذبة" ما بقاش أنا " تمزق سكون الليل فتزيده جمالاً ن غاص في أعماق كلماتها.
نظر طويلاً في السماء و كأنه يفتش عن شيء بين النجوم ، وما أن انتهت الأغنية أحس برعشة غريبة تجتاح كيانه ، لم ترحم لحظات السعادة التي يستمتع بها ، فأدارت شريط المآسي الحزينة
وفجأة هبَّ من مكانه وأخرج تنهيدة طويلة أيقظت كل عواطفه وأحاسيسه التي نسيها في صدره منذ أعوام طويلة، دخل إلى غرفته الحزينة وشغَّل التلفاز وبدأ يتنقل من محطة فضائية إلى أخرى
لم يعجبه أي شيء لا أخبار الحروب فقد أزعجته صور المجازر ولم تطربه الأغاني الهابطة ولم تقارب أحلامه الأفلام والمسلسلات فأغلق التلفاز واتجه ، إلى سريره ، استلقى على ظهره وبدأ يرتب أفكاره .
نهض من سريه إلى مكتبته القديمة القابعة في أحدى زوايا غرفته الكئيبة ، فتح أحد دروجها وأخرج من أحدها عدة دفاتر كتب على مغلفاتها ذكريات "لا تستحق الذكر" حملها وعاد إلى سريره واستلقى بهدوء عليه .... نظر إلى دفاتره وصار يقلب صفحاتها ويتوقف فوق بعضها للحظات وبدأ يتحدث إليها بصمت عجيب وكأنه يريدها أن تسمعه :
ــ عندما يودع هذا الشهر ساعاته الأخيرة ، في الثالثة صباحاً يُسقط العقد الرابع آخر حباته التي تمتلأ ضباب وسراب وتعج بالغيوم الملبدة السوداء .
ما أصعب أن تكتشف بعد أربعين عام بأن دفتر ذكرياتك لا يحوي على لحظات طفولة جميلة ترجع إليها بخيالك الخصب لتهرب من هموم الحياة كلما احتجتها .........
تتكاثر الصور من حوله لا يدري ماذا سيفعل ينتقل بخياله ودفاتر ذكرياته إلى العقد الثاني من حياته ليرى لحظات انتقاله من الطفولة إلى المراهقة فلا يجد لهذا الانتقال معنى كل ما وجده هو العديد من الخربشات والكلمات المبعثرة والعواطف بين صفحات مذكراته ما هي إلا كلمات مزركشة كتبها لبنات أفكاره الجميلات لم يتيح الفرصة لأي منهن للإطلاع عليها ، كتبها في دفتره لدفتره ليترك حبه وعواطفه مكبوتة في داخله لا يعلم بها سوى قلمه ودفتره.
ثم ما لبس أن قلب هذه الصفحات بسرعة رغم أنها جلبت بعض السعادة له لكنه قرر أن ينتقل إلى مرحلة الرجولة فكل من حوله كانوا يصفونه بهذه الصفة ...
ــ الرجولة ما هذا الوصف الخادع إنها مرحلة التعب .... مرحلة تحمل أعباء وهموم الحياة المرحلة التي يكتشف فيها الإنسان أنه مثل آلة عليها أن تعمل ثم تزود بالوقود ثم ترتاح لتريح من حولها من العمل وهكذا مضت الأعوام مسرعة .........
ما أفظع هذا الإحساس عندما تتأكد من أنك تعيش مع جماد يتحرك مثل البشر يأكل مثل البشر يعمل مثل البشر ويضحك ويبكي مثل البشر..... ينام و يستيقظ مثل البشر لكنهم حجر ، لا يفهمون للعواطف معنى ، لا يعلمون بأن هناك شيئاً يسمى إحساس وأن هناك مقياس يسمى الحب أسند ظهره إلى طرف السرير و نظر إلى سقف غرفته واخترق سكون الليل بصمته ، لقد شعر بأن سنين عمره قد مضت وكأنها لا وجود لها فليس في دفاتر ذكرياته ما يستحق أن يسمى ذكرى فكل ما فيها هي صور متراكمة لأصعب لحظات اليأس .
نهض من سريره وحمل دفاتره ليعيدها إلى حيث يجب أن تكون ، لن يلتفت إليها بعد اليوم فكل ما فيها لا يشكل لحظة تحول في تاريخ حياته ، لقد فكر وفكر بأنه ما يزال لديه المتسع من الوقت ليصنع ذكرياته الجميلة ، ليعيش كما يحب أن يكون ، أن يختار حياته ، وأن يهب ما يمتلك من عواطف ومشاعر مكنونة في صدره لمن يستحقها فحرام أن تموت معه هذه اللوحات الجميلة التي لا تحتاج إلا إلى عاشقة تهيم فيه وتغرق في كلماته وتدخل دفتر ذكرياته الجديد الذي افتتحه لحياته الجديدة .
عاد إلى سريره حمل قلمه وأوراقه ، واسترخى بهدوء ، أغمض عينيه وبدأ يسبح في ملكوت السماء مع طيفها الجميل ، يعانقه يحدثه ليكتبا معاً افتتاحية ذكرياته الجميلة ، استرجع كلماتها التي أحس بها رغم أنه لم يسمعها ، عشق جمالها رغم أنه لم يشعر إلا بجمال روحها ، كم تمنى في هذه اللحظة أن تعزف يديها رقم جواله الذي لا تعرفه ليستيقظ جواله على نغمات صوتها وكم تمنى أن يعرف لها أسماً أو وطناً أو عنوان ، لكنه تذكر بأنه يبحث في المجهول فهي لم تستطع أن ترد على رسائله فكيف ستمتلك الجرأة الكافية كي يتحدث إليها لم يستطع أن يكتب أي كلمة لأن قلمه سقط من يده على الأرض وتركه وحيداً مع طيفها الجميل لا يشاركه الاستمتاع بهذه اللحظات السعيدة أحد إلا سكون الليل وأجفانه المطبقة ورأسه الملقى على وسادته الجميلة.
مع تحيات أحمد سعيد سليمان (( أبو علي الودود)) إن أجمل اللحظات هي التي لم نعيشها بعد
|