[move]
<div align="center">وشاءت الأقدار بمسحة من الألم ووخز الزمن..أن تُذيقُ ذلك المخلوق الهجين طعم المرارة والقسوة..فما يكاد المرءُ يجد نفسه إلا و قد خلى به الكون..لا دعامة يستند إليها و لا أنيس وحشة يردِّد صدى آهاته و ماهية أعماقه..
فيظل في جنبات شارع الأيام يتحسَّر على الأمس ويتلهَّف لغد بلا طريق..دون أن يكون في وسعه يوما أن يقبض على الحاضر بجمع يديه..وكأنما عز عليه أن يظل أبد الدهر صريع الوقت و الفناء..ومن هنا فقد نسجت طبيعة الحياة أناسا يتأوهون..
و يُمضون في انكسار رهيب ممزوج بدلالة نفس و خيبة أمل في ربوع هذا الوجود..
وإذا كان من شأن المادة أن تنسينا ماهية الأنا و معية الآخر..فإن من شأن حيف نواميس بني البشر أن تزيد من حدة الألم..فلا يجد المرء صوبه سوى الموت قرينا
و ملاذا..و حتى الموت نفسه نراه قد أصبح في نظر أهل المادة مجرد استهلاك
أو عدم صلاحية للاستعمال.. وكأن الشخص الذي يموت إن هو إلا بضاعة فاسدة أو عجلة متعطلة لا يرجى لها صلاح..
أيتها الأرض أوقفي دورانك و استدركي ما فات..فليس لسفينة الإنسان مرفأ..
و لا لخضم الزمان ساحل..فهو يتدفق وإنّا مع تياره نمر ونمضي في انصياع لأمواجه..وتمر الساعات ثم الساعات..والماضي لا يعود..وزهو الشباب المدبر
لا رجعة له..والسعادة الهاربة لا تُقتنص من جديد..
لأننا مجعولون لعبادة ما لن نراه مرتين..
*********
وفجأة سكت القلم عن الكتابة مكسِّرا صريره على الورق أنين أُمّ شاطرت السقم
و الفراش معظم أيام حياتها:
-"مهيض..يا مهيض.. الدواء يا بني" بصوت به حشرجة الموت..
-"حالا أمي..سأحضره إليك"
و بعد تجرع المسكينة الدواء..وضعت يديها اللتان أكل منهما العمل ببيوت الجيران وقسوة الدهر كل نضارة و آدمية..
-"أي بني..أنت تعلم يا حبيبي أنك أغلى ما ملكت في هذا الكون..ولأجلك قاسيت كل ضروب الألم وضراوة الدهر..لم أنتني لحظة واحدة بعد موت أبيك عن توفير المستطاع..حتى لا تحني رأسك لبني البشر.." و غصت المسكينة في بكاء مرير لم يوقفه إلا مسحة من "مهيض" لدموع سخينة غالية..
-" كفى يا أمي.. سأعوضك عن كل ما فات..و ستكونين بإذن الله بصحة جيدة..لو تعلمين أمي كم أحبك و كم أتعذب لمرضك.. أنت كل ما أملك يا أمي..لطالما تعذبت من أجلي قبل و بعد أبي..و قد حان الوقت لرد جزء من أفضالك علي"
يحاول المرء أحيانا أن يتناسى أن لابد للبداية من نهاية.. وأن كل شيء آيل إلى زوال وانقطاع..وهذا ما لا يريد أن يفهمه "مهيض" و يتحاشاه.. حقيقة الموت و صراحة الفراق و الثكل..
-" أي بني.. أخالني اليوم على عتبة من تسليم أمانة لصاحبها..و حان للشمس أن تغيب عن تلك الحقول"
ففهم "مهيض" قصد أمه الرَِّؤُوم..فعزَّ عليه المقال..وأخذت عيناه تنظران إلى تحت بلا دمع ولا كلام..
-" لا أريدكَ حبيبي أن تنال منك الأيام..ولا أن تنصاع لعاتيات الدهر المتعاقبة على أمثالنا..فنحن يا بني لسنا إلا مفاتيح يستعملها بنو البشر وقت ما يشاؤون لفتح أغراضهم و امتلاك نواصينا"
-"آن الأوان يا فلذة كبدي ..يعز علي فراقك بني" فأجهشت المسكينة في البكاء ..
******
لا محالة يتملكنا الشعور و نحن نفقد اللحظات و أهل اللحظات.. خلال ما يمر من حياتنا و ما تبقَّى من ساعات أعمارنا.. بأننا لا نستطيع بل و يستحيل أن نردها
أو نستبقيها.. فترانا عندئذ نعمل جاهدين في سبيل الإمساك بكل لحظة واستبقائها
على حِدَة..حتى يكون في وسعنا أن نحقق خلالها بعض ما نريد.. ولكن لا تعدو
أن تكون كل لحظة من لحظات الزمان إلا وأن تلحق بسابقاتها.. تفلت من بين أيدينا دون أن يكون في استطاعتنا العَدْوُ ورائها أو اللحاق بها..
-"لا أريدك أن تتَّخذ من وحدتك ملجأ تلوذ به للتهرب من حاضرك..عَلِمتك منذ الصبا عاشقا لقلمك.. فلا تبعه يا بني و لا تَكتَنِس من بقاياه قوت عيشك حتى لا تكون مرميّا مع أمثالك في قمامة التاريخ..
-"مهيض..أُحضني يا حبيبي و لتكن أنت آخر عهد لي بهذه الدنيا"
فالتحم الصدران بين همهمة البكاء وحشرجة الموت.. فحام بين الجدران صمت مخيف.. إنه صمت الموت..لكنه لا يعدو أن يكسَّر بعبارات متقطعة من ذلك المكلوم:
-"أماه..أماه.. يصرخ بصمت، و يتأوه من قرارة أحشائه من دون أن تذرف دمعة واحدة من عينيه..
*******
وهكذا تَنكُص الحياة و الذات على أعقابها .. و تزيدنا الأقدار ألما بعد ألم ,
نغرق في غمرته ولا نَزَاوَرُ عنه لحظة واحدة من اللحظات..
-لاتتركيني أمي .. لاتتركيني وحيدا في عالم كَرِهْتُه من ذي قبل..كنت أحيا
و أعيش لأجلك فقط .. صارخا بأعلى صوت "أماه.."
وعاود المسكين النظر إلى تحت كأنه يرى مكانه بين أشلاء أهل المقابر..
فالإنسان يعيش بمفرده , ويموت بمفرده و يتألم بمفرده ...
-وعبثا أكون أمي بعدك , و عبثا أبكي أمي بعدك ,وعبثا أحيا أمي بعدك....
فسكت عن الكلام ...لافائدة .. فالمحبوب مات .. وهيهات لأعز حبيب بعد ذهاب رجوع و عودة .. فليس أقسى على الموجود الذي يملك الحرية , ويحن إلى الأبدية ,
و ينزع نحو البقاء .. مِنْ أن يشعر بأنَّ لحريته حدودا , و أن الزمان ينشُب أظفار العَناء على عنقه ..
وهكذا هي حياة من نحب .. بداية ثم نهاية .. فعلا, ففي كل لحظة حالمة من لحظات حياتنا شيء سحريّ لايقبل الإعادة .. وعنصرا فريدا هيهات أن يجوز عليه التكرار..
******
أخذ "مهيض " بعد أن أنهكته الفاقة و الشظف يكتب ويبيع مبادءه و وِصاية أمه حتى نسي من يكون و لأجل ماذا يعيش .. أخذهُ الهَمُّ وقَََبَضَ عليه بيد من الأسى و الإنهيار , حتى صيَّره مُعانقا لسيجارة الموت وخَمرة الانصياع فلا تراه إلا منزويا في جنبات المقهى المعهود.. يعبث في حالة من الهذيان و الإنكسار بقلمه و روحه .. لايعدو أن يكون عربيدا استسلم لواقع لايرحم فأناخت له عَطِيَّةُ القلم بيعا للمبادئ و القيم
و اكتنازا لأقراص تُشيعُ فيه حالة من الذهول و الإنابة..
ولازالت دموع مهيض مخبوءة لم يحن بعد أوان نزولها.. وكأنها تخشى الخروج إلى عالم الأحياء و العقلاء جدا ,
-"فليكن مكانكِ بذاخلي, ولْتموتي بداخلي"
كأنه يخشى أن يراه بنوا البشر ضعيفا منكسرا , وماجدوى الدموع إن كانت لن تعيد لنا ما فات من لحظات مع من نعيش ,
أليس بِدْعا أن يَنسلِخ المرءُ من عالمه …
- و اقتربت النهاية ..
ففي ليلة ليلاء أمطرت فيها السماء نحيبا غزيرا كأنه بكاء مَهيض آن الأوان
ِلأَنْ يَغسل جسده المكلوم من جراح الأم التي ماتت.. انطفأت الأضواء و تعالت صرخات الرعد عويلا , فتهافت رواد المقهى إلى ركن مهيض فوجدوه ملقى على أوراقه و سجائره و أقراصه لقد انتزعه الموت بدوره ,
لأن الحياة ليست إلا أدوارا متعاقبة لمسرحية البشر تَفصلها مشاهد الموت أو فصول الفراق لأننا لانستطيع أن نَخُطَّ أقدارنا بأيدينا.. فتمضي بنا الظِّلال التي تخبو تحت ظلمات الموت.. و أشباح العناء الى نهاية سرمدية لا نعلم لها قاعا ولا قرار ,
وقد لايكون بعدها انتظار
و قد تدنوا بنا إلى أعتاب جنة أو نار ...
********
</div>و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...
اخوكم الحلاج
[/color]
|