بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله
والصلاة على محمد الأمين وعلى آله المطهرين والتسليم لله رب العالمين
(اصلاح الايمان نهج الانبياءوالاولياء)
( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )
كي نسير على نهج الأولياء المصلحين علينا أن نتعرف على طبيعة نهجهم وخصائصهم ونمتلك القدرة على التمييز بين التدين على طريقة الأولياء ونهجهم وبين التدين على الطريقتين السائدتين وهما طريقة التدين الفقهي الإنعزالي وطريقة التدين السياسي الدنيوي .. فقد كان الشكل الأول للتدين وهو التدين الفقهي معتزلاً لمهمة الإصلاح في الأمة وكان أقصى ما يقوم به هو الأخذ بالرسالة العملية ، وكان أغلب أصحاب التدين الفقهي لا يبادرون الى طرق أبواب المجتمع ودعوته للتوبة وهداية الغافلين فيه ، فهم لا يعتبرون الدعوة الى الله من مهماتهم ولا إصلاح الأخلاق في المجتمع من تكاليفهم الأساسية .. وهذا التدين الفقهي المجرد كانت ميزته الكبرى ترك العمل الرسالي ، وكان هذا التدين المكتفي بالبعد الفقهي والتقليد السلبي هو السبب في ضعف الوعي الديني وضعف علاقة المجتمع بخالقه سبحانه..
ثم جاءت بعدها النهضة السياسية الدينية في عموم الأمة الإسلامية وفي مذهب أتباع أهل البيت (ع) ، ونشأت حركة الخروج من شكل التدين الفقهي الإنعزالي ، وبدأت الحركات السياسية الدينية تشكل نفسها في مختلف الأماكن ، وبدأت الجماهير تخرج من التدين السلبي ومن التقليد السلبي ، وكان من رموز هذه النهضة عدد من العلماء الذين رفضوا السلبية والصمت والسكوت وأسسوا لنهج العمل الإجتماعي والسياسي الديني ، ومن هنا نتج النوع الثاني من التدين وهو التدين السياسي والإجتماعي ..
ثم تحول الأمر بعدهم الى سلوك سياسي دنيوي تحت خيمة دينية لا أكثر ، وهكذا دخلت الأمة وأغلب قياداتها الى التدين السياسي الدنيوي ، وصار همهم الأول والأخير هو السياسة ، وصاروا أحزاباً كثيرة ، وأهتموا بالمناصب أكثر من إهتمامهم بالإصلاح وبالدعوة الى الله سبحانه ، وبدأوا يمسكون بالوظائف تحت غطاء الدين وصار خطابهم الديني خطاباً سياسياً صرفاً ، لا يتكلم إلا في السياسة ، ولا يُفكر إلا بالسياسة ، وصارت المناصب والمفاوضات والوزارات هي همهم وشاغلهم ليلاً ونهاراً ، وصار هذا النوع من التدين هو السائد في الساحة كلها ، ورغم إن بداية أعمالهم كانت ثورية وشرعية ومهمة إلا أن المشكلة الكبرى أن أغلبهم أصبحوا دنيويين وسيطرت عليهم أهمية الأسباب المادية الدنيوية ، ثم إنتقلوا الى ساحة التصارع والتنافس وكل ما تتطلبه السياسة الدنيوية فنسوا طريقة أمير المؤمنين (ع) وإستبدلوها بلغة الواقعية السياسية الدنيوية ، ثم تسللت العلل الفكرية والأخلاقية وإزدادت كلما إزداد حب الدنيا لديهم ، وهكذا ساد هذا النوع بكل إتجاهاته السلبية والإيجابية حتى جاءت النهضة الإصلاحية الإلهية ، حيث جاءت لترفض رفضاً مطلقاً الشكل الأول وهو التدين الفقهي والتقليد السلبي ، وفي نفس الوقت جاءت لترفض كل السلبيات التي نشأت من التدين السياسي الدنيوي ، فهي قد جاءت لتصحح مسار الثورة والنهضة ، جاءت نهضتنا لتقول إن خروجنا من التدين الفقهي والتقليد السلبي لا يعني أن نتحول الى سياسيين دنيويين نغرق بالمناصب والمساومات واللهاث خلف المكاسب العاجلة تحت غطاء الشعارات السياسية الوطنية وتحت غطاء قضاء حاجة المؤمنين ..
فقد جاءت نهضتنا الإصلاحية لتقول : لا بل مهمتنا هي أن نصلح علاقة المجتمع مع الله سبحانه وإن مصدر قوتنا ليست بالمناصب والأسلحة والأموال وإنما برضا الله عنا ، وغاياتنا ليست حقوقنا المادية الدنيوية الفانية بل حقوق الله سبحانه وحقوق أولياءه ..
فلم يدفع الأولياء الطاهرين الأمة بإتجاه التدين السياسي ، ولن يُحرضوا الشباب على الإنتماء الى الأحزاب الدينية ، ولم يروجوا لأهمية إستلام السلطة بإسم الدين ، ولم يعترفوا بأساليب الواقعية الدنيوية التي تروج لحب الدنيا وللركون للأسباب المادية فيها .. فهم يبنون تديناً لا يشبه أبداً التدين الفقهي ، ولا يشبه أبداً التدين السياسي ، و يؤسسون منهجاً نقياً مطابقاً لمنهج أهل البيت (ع) ، وبمنهجهم كانوا يُعيدون الى المؤمنين منهج الإصلاح الإلهي ، المنهج الأوسط الذي لا يقبل بالسلبية والصمت واللامسؤولية وفي نفس الوقت لا ينجرف خلف أساليب الواقعية الدنيوية المبتذلة وأساليب السياسة المادية المبتعدة عن الله سبحانه .. فإن كان رجال النهضة الأولى قد أسسوا منهج الخروج من شكل التدين الفقهي تحت مظلة العودة الى الشريعة الإسلامية ، فإن منهج الأولياء يأتي ليؤسس تديناً ينادي بالعودة الى الله سبحانه ، وإصلاح العلاقة معه سبحانه ، وإصلاح الإيمان في المجتمع .. لهذا علينا أن نفهم لماذا نقول أن نهج الأولياء مغاير لكلا النهجين ، فهو النهج الإصلاحي الإلهي المطابق لنهج آل محمد (ع) ، وهو النهج الذي يقوم على الإصلاح الفكري والروحي والأخلاقي للمجتمع ، وهو النهج الذي يحدد أن سبب كل العلل في العالم هو من خراب العلاقة بين الناس وخالقهم سبحانه ، وإن الإصلاح لا يكون إلا في إصلاح هذه العلاقة .. فنهج الأولياء يأتي دائماً ليؤسس النهج الإصلاحي الإلهي الذي لم يؤسسه الفقهاء والسياسيين ، وكل ما علينا هو أن ننتبه إلى نهج الأولياء ونتفكر به كي نستكشف مضامينه الإصلاحية الإلهية العميقة ، فمن يخرج من النهج الإصلاحي الإلهي ويعود الى النهج الفقهي الإنعزالي فقد تدنى بتكامله ، ومن يخرج من النهج الإصلاحي الإلهي الى النهج السياسي الدنيوي فقد فشل في التمييز بين نهج الإصلاح الأخروي ونهج السياسة الدنيوية ... ولا بأس أن نعترف بأننا في أحيانٍ عديدة قد تشوشت لدينا الرؤية فلم نميز مدى عظمة النهج الذي بأيدينا ، فذهبت أعيننا الى هذا الإتجاه أو تلك الجماعة نحاول تقليدهم أو التشبه بهم أو إقتباس ما عندهم ، وهذا مع الأسف الشديد يدل على ضعف وعينا بنهج الأولياء ..
فعندما يأتي غداً الإمام الحجة (عج) ، سوف لن يأتي بالنهج الفقهي الإنعزالي الذي لا هَم له سوى الرسالة العملية والخمس والتقليد ، ولن يأتي بالنهج السياسي الدنيوي الذي يؤسس الأحزاب والمناصب والمؤسسات ، لا بل سوف يأتي بالنهج الإصلاحي الإلهي ، النهج الذي يرفض الباطل كله ويقيم القسط والعدل على أساس ذكر الله وحب الله ومعرفة الله وطاعة الله ، هذا هو النهج الذي سيقوم وهذا هو التدين الذي سيكون..
فإذا فهمنا ذلك سوف نفهم أنه لا طريق للتهيؤ للإمام (عج) سوى بأن ندخل بنهج التدين الحقيقي قبل ظهور الإمام (عج) لنصلح علاقتنا مع الله ونصلح أخلاقنا مع الله ونصلح إيماننا بالله .. وفي رفض الذنوب ورفض حب الدنيا والبراءة من الباطل وعدم إعطاء الشرعية للمستغنين عن الله سبحانه وفي الدعوة الى الله ونشر التواضع في المجتمع والتبشير بالفرج الإلهي ، وإعلان الإفتقار الى الله سبحانه والإضطرار الى وليه منقذنا ومخلصنا وملاذنا وإمامنا مهدي الإسلام والعالم منقذ البشرية ومجدد الدين ومحيي قلوب المؤمنين قائد الثورة الإلهية أرواحنا له الفدى.
والحمد لله رب العالمين
Almnbr_almhdoi**تم حذف البريد**
|