سجل منظم ضربات القلب منذ 45 عاماً نجاحاً باهراً في انقاذ حياة الكثيرين وذلك بتنظيمه نشاط القلب عن طريق ارسال الذبذبات الكهربائية، إلا ان وظيفته لا تقف عند هذا الحد! لذا فلنحاول معاً ان نستعرض مهام هذا الجهاز.
عرف علماء الفسيولوجي منذ اواخر القرن التاسع عشر ان تحفيز ضربات القلب يتم بارسال ذبذبات كهربائية، وقد ادرك الاطباء بعد اجراء أول المخططات القلبية الكهربائية عام 1901 بأن القلب مهدد بالتوقف في حال تعرض النشاط الكهربائي للاضطراب، ومن هنا بزغت الفكرة العبقرية والجريئة في زرع مولّد كهربائي ينظم بفضل ذبذباته هذا العضو الحيوي حينما يعمل بنمط بطيء للغاية.
بيد ان الانتظار كان حتمياً حتى عام 1959 حيث جرى إعداد المولّد تمهيداً لزرعه في جسم الانسان. وقد شهدت السويد زراعة أول منظم ضربات للقلب اطلق عليه “بيس ميكر” أو “صانع الايقاع”.
واشادت كل الأوساط بهذا التقدم الهائل في حقل التكنولوجيا الطبية، اذ انه يتيح للآلاف المؤلفة من البشر ممن يعانون من خلل في ضربات القلب التمتع بحياة طبيعية. ومنذ مطلع الثمانينات تركت الاجهزة الأولى لتنظيم القلب الساحة لتحل محلها اجهزة بدوائر الكترونية، تحلل ضمنياً ايقاع القلب لتكتشف الخلل وتعالجه بواحدة او أكثر من الذبذبات الكهربائية من دون ان يشعر المريض بذلك حيث يقوم منظم النبض بارسال ذبذبات منتظمة في حال واصل القلب الخفقان ببطء شديد، في حين ان الجهاز لا يرسل سوى بعض الذبذبات لانعاش القلب اذا ما كان يخفق بصورة طبيعية مع وجود عجز بسيط يطلق عليه “الخفقان البطيء المتقطع”.
وبفضل التقدم العلمي اصبح هذا المنظم اليوم متكاملاً، وأصغر حجماً، وأشد مقاومة، ويعود الفضل في ذلك الى استخدام الموادالملائمة في صناعته اضافة الى صغر حجم الدوائر الالكترونية وهو عبارة عن علبة من معدن التيتان وزنها 25 جراماً وطولها 6 ملم وسمكها 8 ملم تخرج منها عدة اقطاب كهربائية يدخل البلاتين في صنعها ومنذ اواسط التسعينات اصبح منظم ضربات القلب يتميز بذاكرة يحفظ فيها المعلومات المتعلقة بعمله، ويسجل النشاط الكهربائي للقلب. وبفضل هذه المعطيات التي تم جمعها من قبل المرسل - المستقبل الموجود في العلبة، اصبح بامكان الطبيب متابعة التطور الصحي للمريض، وتنظيم عمل الجهاز بفضل الحاسوب، لكن ماذا لو بذل المريض جهداً عضلياً؟ لم تفلح اجهزة تنظيم القلب في الثمانينات في متابعة ضربات القلب والتعامل مع تزايدها لدى شخص ذي مشاكل قلبية إذ ان القلب لا يستطيع الاسراع في خفقانه بما يكفي لدعم الجهد المبذول من قبل المريض. ويؤدي عدم القدرة التزامنية على مواكبة هذا الجهد الى سرعة اللهاث والتعب، وعليه ظهرت آنذاك اجهزة مبرمجة تقوم على فكرة التعديل الذاتي للذبذبات في حال بذل المريض اي جهد اضافي، ولتحقيق هذه الغاية يقوم هذا الجهاز بقياس مستوى النشاط البدني للمريض وخاصة تحليل تنفسه.
علاوة على ذلك يقوم منظم ضربات القلب بمعالجة الازمات القلبية الاكثر تعقيداً مثل التركيبة الرديئة للسائل العصبي الكهربائي الموجود في القلب، او الانتقال البطيء لهذا السائل العصبي بين الاذين والبطين، أو حتى العجز الميكا***ي لعضلة القلب عند عدم انقباضها بشكل طبيعي.
وتتمثل التطورات الاخيرة التي حققها العلماء في قدرة منظم ضربات القلب على التأقلم التلقائي لبعض مهامه بمقارنة الثوابت التي سجلها مع تلك التي يتضمنها برنامجه، ولن تقف عجلة العلم ابداً، فهناك خطوة اخرى سترى النور قريباً، وهي تنظيم القلب أو برمجته عن بُعد حيث يتم نقل المعطيات المسجلة ذات العلاقة ببرمجة المنظم بواسطة الاقمار الصناعية من العلبة الى الجهة المصنعة او الى فريق طبي لاجراء التحليلات النهائية او لاجراء التصحيحات الطارئة.
|