أخي الكريم أبو مسلم
أسأل الله أن يوفّقنا لما فيه الخير والصّلاح
وأن يلهمنا التوفيق والسّداد في القول والعمل
أخي الكريم
أرجو أن تسمح لي بالمشاركة في هذا الموضوع المهمّ
بعد إذنك.
بدءا للكلام أخي الفاضل
حبّذا لو ذكرت رواية الحديث كاملا كما جاءت في كتب الحديث المعتمدة
بدلا من أن تجمع كلّ الرّوايات بالمعنى في أوّله وبذكر اختلاف الألفاظ في متنه
خصوصا لمّا يكون في بحث مثل هذا البحث المفيد
أمّا نصّ الحديث كاملا كما في صحيح مسلم:
قال الإمام مسلم في صحيحه (537) ...وساق السّند إلى معاوية بن الحكم السلمي؛ قال:
بينا أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. إذ عطس رجل من القوم. فقلت: "يرحمك الله"
فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: "واثكل أمياه! ما شأنكم؟ تنظرون إلي".
فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم.
فلما رأيتهم يصمتونني. لكني سكت. فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه. فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني.
قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن".
أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
قلت: "يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية. وقد جاء الله بالإسلام. وإن منا رجالاً يأتون الكهان".
قال: "فلا تأتهم".
قال قلت: "ومنا رجال يتطيرون".
قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم. فلا يصدنهم (قال ابن المصباح: فلا يصدنكم)".
قال قلت: "ومنا رجال يخطون".
قال: "كان نبي من الأنبياء يخط. فمن وافق خطه فذاك".
قال: "وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قبل أحد والجوانية. فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب [الذئب؟؟] قد ذهب بشاة من غنمها.
وأنا رجل من بني آدم. آسف كما يأسفون. لكني صككتها صكة. فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فعظم ذلك علي".
قلت: "يا رسول الله أفلا أعتقها؟"
قال: "ائتني بها" فأتيته بها.
فقال لها: "أين الله؟"
قالت: "في السماء".
قال: "من أنا؟"
قالت: "أنت رسول الله".
قال: "أعتقها. فإنها مؤمنة".
وهذا الحديث، هو المشهور بحديث الجارية، وهو حديثٌ صحيحٌ باتفاق أهل النقل.
هذه الجارية التي كانت ترعى الغنم في أحد والتي عرفت بفطرتها السّليمة أنّ الله في السّماء
بينما لو سألت بعض من ينتسبون للعلم هذا السّؤال لقال لك أنّ الله في كلّ مكان
وقد كانت لديّ بعض النّقاط التي أردت البدء منها في مشاركتي هذه
إلا أنّي رأيت أن نقطة واحدة ومسألة مهمّة من بين هذه النّقاط قد تطفو على كلّ النّقاط الأخرى
فذكرت وفّقك الله أنّ قوله عليه الصّلاة والسّلام للجارية (أين الله)أنّه سؤال عن المكانة لا عن المكان
وهذا هو الذي دندن عليه محقّق كتاب الأسماء والصّفات
والذي ذكرت بعض كلامه في معرض بحثك
لكن الذي يظهر أنّ السّؤال عن المكانة لا يقال عنها (أين) ولا يجاب عليها بأنّها في السّماء إلاّ إذا دخلت عليها (من)
كقولك أين فلان من فلان.
أو كما قال الشّاعر: أين الثرى من الثّريّا وأين معاوية من علي
و حمل لفظ الجارية على أنّه سؤال عن المكانة لا يصحّ لا عقلا ولا لغة ولا شرعا كما قرّر هذا أهل العلم
وذلك لما تظافر من الأدلّة على ثبوت العلوّ الذاتي لله جلّ وعلا
هذه هي النّقطة الأهمّ التي جعلت من لا يقرّون بعلوّ الذّات لله جلّ وعلا يحكمون باضطراب هذا الحديث
ويقولون بأنّه سؤال عن المكانة
لذلك قال شيخ الإسلام-رحمه الله- في (( الفتاوى ))(5/122
وقد وصف الله تعالى نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بالعلو والاستواء على العرش
والفوقية في كتابه في آيات كثيرة حتى قال بعض اكابر أصحاب الشافعي: في القرآن آلف دليل أو أزيد على
أن الله تعالى عالٍ على الخلق وانه فوق عباده )). أهـ
أمّا قولك
وفي باب الحديث عن سؤال الجارية يستحضر قوله تعالى: (ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) لتقوية أن الحديث يؤخذ على ظاهره.
فقد فسر أن المقصود "من في السماء" عند بعض المفسرين؛ بالله عز وجل ... وفي هذا التفسير نظر؛
أخي الكريم ليس في هذا التّفسير أيّ نظر وفّقك الله
وذلك لأنّ في في هذا الموضع ليست في الظّرفيّة
فمعناها من على السّماء
ألا ترى إلى قول الله جلّ وعلا ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) أي على الأرض
وقوله جلّ وعلا مخبرا عن فرعون لمّا قال للسّحرة كما في قوله تعالى( ولأصلّبنّكم في جذوع النّخل) أي على جذوع النّخل لأنّ التّصليب يكون على الجذوع لا أن تكون الجذوع ظرفا لها
وقوله عليه الصّلاة والسّلام ( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء) فلو كانت في هنا هي في الظرفيّة لكان من في الأرض هنا هم الدّيدان والحشرات لكن المعنى ارحموا من على الأرض يرحمكم من على السّماء
هذا الذي أردت قوله باختصار في ضيق وقت ومشاغل
أسأل الله أن يوفّقنا ويصلح أمورنا ويجعلنا هداة مهتدين
والحمد لله ربّ العالمين
ولا تنسانا من صالح دعاءك بالتّوفيق والنّجاح
تحيّاتي لك أخي الكريم