نصر باغريب
يرى الكثيرون أن وجبات الطعام هي من أكبر المعضلات التي تواجه السياح والأجانب المقيمين في أي بلد، خاصة إذا كانت الدولة المضيفة تختلف في طريقة إعدادها للطعام عن الأشكال والأصناف التي اعتادوا عليها في بلادهم، إلا أن هذه المشكلة لم تجد لها مكانا في بلادنا، فالسياح والأجانب المقيمون في البلاد يقبلون على الطعام اليمني بشغف كبير، بل ويصبح جزءا من أطباقهم المفضلة عندما يعودون إلى بلدانهم الأصلية.
السياح يفضلون الوجبات الشعبية
ورغم اختلاف أذواق السائحين والأجانب القادمين إلى بلادنا، إلا أن الجميع يفضلون أكل الوجبات الشعبية بعد أن كانوا قد سمعوا عنها أو تذوقوها في بلدانهم الأصلية التي انتشرت فيها المطاعم اليمنية وأصبحت مقصداً لكل باحث عن الطعام اللذيذ، مما أوجد حالة من الانحسار الواضح في مطاعم الدرجة الأولى والثانية للوجبات الأوروبية في الفنادق والمطاعم الكبيرة في اليمن ليحل محلها الوجبات الشعبية المشهورة، وذلك كنتيجة طبيعية لتلبية رغبات ومتطلبات النزلاء والضيوف المتزايدة لتناول تلك الوجبات، ليتعرفوا على أصناف الطعام لبلادنا كالوجبات البحرية والمندي والمضبي أو وجبات المخبازة من لحم الحنيد وأنواع الخبر المخبوز على التنور كالرشوش والرطب والملوح والملوج والطاوة واللين والجاف والكدر..الخ، التي سمعوا عنها أو تذوقوها في المطاعم اليمنية الموجود في بلدانهم المتناثرة في أصقاع الدنيا.
ولعل أهم المطاعم التي يقصدها السياح في بلادنا هي مطاعم الوجبات البحرية ومطاعم لحم الضأن المندي والمضبي والمشوي وسلسلة مطاعم الرشوش أو مخبازة (الشيباني)، وثمة علاقة غرام مؤكدة بين السياح وتلك الوجبات، كما أن أهم شيء بالنسبة لهم على المائدة هو أصناف الأسماك التي تخلط بالتوابل قبل أن تطبخ أو اللحوم المتعددة في طريقة الطبخ والطعم، خاصة وأن عدداً كبيراً من السياح لا يميلون إلى تناول الدجاج أو اللحوم البيضاء بشكل عام، وإن كان عشقهم الخاص هو اللحوم والأسماك بمختلف أصنافها المتنوعة والمطبوخة بطريقة معينة ونادرة وببهار فريد.
طعام لا نظير له في العالم
ويفضل السياح تناول تلك الوجبات في الأماكن المطلة على الشواطئ والمعالم التاريخية والتراثية والأحياء الشعبية القديمة أو تلك المحاذية للطرق السريعة والواقعة فيما بين محافظات الجمهورية اليمنية، ليستمتعوا بعبق المكان وبأجواء البلاد المتميزة، فالجو الطبيعيّ الجميل الذي توفره هذه الأماكن بالإضافة إلى إطلالتها مباشرة على خصوصية الموقع أو المناظر الطبيعية أو البحر مما يشكل عاملاً في غاية الأهمية بالنسبة لجذب السائحين وارتباطه بالجغرافيا والمجتمع.
ومن الملاحظ على طريقة أكل السائحين هيامهم الخاص بالأسماك والمضبي والمندي والخبز الرشوش، الذين يقولون إن لهذا الطعام طعماً ونكهة لم يجدوا لها نظيراً في أي مكان آخر في العالم.
فالسمعة الطيبة التي اكتسبتها الوجبات الشعبية في بلادنا وفي الكثير من دول المعمورة شجعت العديد من المغتربين على فتح مطاعم يمنية في كثير من دول العالم وتضاعف أعداد تلك المطاعم خلال العشرين سنة الماضية، أكثر مما كان سائداً منذ عشرات السنين، حيث تم افتتاح مطاعم في مدن لم تكن موجودة فيها من قبل.
ويمكننا القول إن مطاعم المندي والمضبي الحضرمية والمخابز الشيبانية والزربيان العدني واللحم الحنيد والخبز الرشوش المتميز، استطاعت أن تغزو الدول العربية وأوروبا وأمريكا ودول شرق أسيا وإفريقيا وروسيا وحققت مكانة مرموقة على مائدة الطعام في العالم، وأضحت تلك المطاعم عابرة للحدود مثل سلسلة المطاعم العالمية المشهورة ماكدونالدز وكنتاكي وبيتزاهت...الخ، غير أنها لم تزل بحاجة إلى التنظيم والترويج وإيجاد علامة تجارية موحدة لها شبيهة بتلك التي تميز سلسلة المطاعم العالمية.
الزربيان والمخبازة في مصر
ففي دولة مصر العربية انتشرت في الآونة الأخيرة وبشكل كبير مطاعم (حضرموت) و(العمودي) بفروعهما المنتشرة سواء في القاهرة أو مدينة المهندسين أو بمدينة نصر والدقي..الخ، والتي بدأت نشاطها منذ حوالي عشر سنوات، والتي تمكنت من جذب شريحة واسعة من المصريين والسائحين لبلاد الأهرامات عن طريق ما تقدمه من مأكولات يمنية فريدة كلحم الضأن المندي وخبز الرشوش والزربيان والشتني والعقدة..!.
وتمكنت تلك المطاعم أن تكتسب شعبية عريضة في القاهرة، ليس فقط لدى السياح والوافدين من العرب للسياحة في مصر بل لدى المصريين أنفسهم، فالأكل اليمني هو أكل متميز بالأساس ويعتمد على بعض الطرق الخاصة التي لا توجد لدى المصريين ولا الخليجيين والعرب القادمين إلى مصر!.
كما تعد الأكلات اليمنية من الأكلات الشعبية التي تلقى إقبالاً كبيراً من المواطنين في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، ففي مدينة الرياض السعودية مثلا أصبحت الوجبات اليمنية وجبة إفطارهم اليومي وكذلك وجبة العشاء المفضلة في كثير من الليالي خاصة في فصل الشتاء لاحتوائها على سعرات حرارية عالية تجلب الدفء لمتناولها وقد تخصصت بعض المطاعم التي يعمل بها بعض أبناء الجاليات اليمنية في تقديم تلك الوجبات إلا أن هناك مطعماً متميزاً متخصصاً في تقديم نوعية معينة من الوجبات ويتوافد الناس على فروعه لحبهم تلك الأكلات بطريقة فنية مميزة.
المطبق والمعصوب في السعودية
ويقدم “المطعم اليمنى” في الرياض المطبق والمعصوب المكون من خبز البر مع القشطة والموز المفرومين معا والمضاف لهما السمن والعسل، إضافة إلى المشكل الصنعاني وهو عبارة عن بازلاء وتونة وفاصوليا وبيض كذلك المشكل العدني وهو عبارة عن قلابة الفول مع البيض كذلك يقدم الخبز الملوح وهو خبز يعد في التنور وله مذاقه الخاص، كذلك الخبز الرشوش وهو الخبز المفرود، كذلك المعصوب والكبدة الطازجة والشكشوكة العدنية وتختلف في المذاق والشكل عن الشكشوكة العادية ومن المشروبات اليمنية الشهيرة الشاي العدني والحليب العدني، التي أصبح الكثير من السعوديين يفضلونها ويطلبونها بشكل يومي.
وفي العاصمة السورية دمشق افتتح أكثر من مطعم يقدم وجبات يمنية مشهورة حتى إن بعض المواطنين السوريين افتتحوا قبل بضع سنوات “مطعم حضرموت” في منطقة المرجة وسط العاصمة كتعبير عن الشهرة التي بلغتها الأطباق اليمنية في سوريا.
مطاعمنا في الصين وكندا
ويلاحظ كذلك أن هناك مطاعم يمنية عتيقة في العاصمة البريطانية لندن وفي فرنسا وفي كثير من الدول الأوروبية، كما تضم الصين التي يوجد فيها نحو خمسة آلاف مغترب يمني عدة مطاعم يمنية خاصة في مدينة كوانزو والتي تقدم وجبات يمنية متنوعة للمغتربين وللصينيين.
ويوجد أيضاً عدة مطاعم يمنية في كندا وعدد من دول أمريكا الجنوبية وفي عدة دول بالقارة السوداء.
وفي شرق آسيا حدث توسع جديد في المطاعم اليمنية هناك، فقد تم مؤخراً افتتاح “مطعم حضرموت” في العاصمة الماليزية كوالالمبور في مقاطعة تشيولان ليقدم لعشاق الأطعمة سبباً آخر لتناول الأطعمة فيه، وسمات هذا المطعم انه مميز بالمطبخ والنكهة عن غيره من المطاعم في تلك البلاد.
ويقدم هذا المطعم جميع الوجبات من أخف وجبة إلى أثقلها والتي تؤكل مع خبز (الرشوش) والطبق الخاص هو اللحم المندي وهو المطهو بالفحم بعد تقطيع لحم الحمل ثم يخلط بالتوابل ثم يطبخ لمدة من ساعة إلى ساعتين حتى يرق اللحم وتزال عصارته، ومن الأطعمة التي لا توجد في ماليزيا إلا في هذا المطعم فقط هي (السلتة) التي تعد واحدة من أهم الأطباق المنتشرة على نطاق واسع في اليمن ويعود أصلها إلى تركيا.
وللحفاظ على الذوق الأصيل جلب المطعم الفرن الخاص بالأطعمة اليمنية المختلفة خصيصاً من اليمن، كما أن مطبخ المطعم مجهز بتوابل خاصة جلبت أيضاً من اليمن للحصول على نكهة خاصة.
مطعم بروكلين بأمريكا
وشهدت الولايات المتحدة الأمريكية افتتاح عدد من المطاعم اليمنية الشعبية خلال السنوات الأخيرة في أبرز المدن الأمريكية كنيويورك وغيرها، ويبدو أن المطاعم اليمنية الموجودة في مدينة بروكلين الأمريكية بدأت تشق طريقها مؤخراً نحو الشهرة أكثر من غيرها وتزايد إقبال المواطنين الأمريكيين على وجباتها الشهية.
وفي العاصمة الروسية موسكو إضافة لعدة مدن أخرى يستحيل على المرء أن يخطىء عندما يشتم روائح الأطعمة العابقة في الجو في الوصول لمبتغاه، وبسهولة سيجد طريقه إلى المطاعم اليمنية المنتشرة والتي يقبل عليها أبناء الجالية اليمنية الكبيرة هناك أو حتى من المواطنين الروس الذين صار الكثير منهم يرى أن الاحتفال بمناسبات معينا لن يكتمل إلا بتذوق المندي أو وجبات المخبازة الشهية.
ومن تعاظم شهرة ومكانة الوجبات والأطعمة اليمنية وتزايد الإقبال عليها من مختلفة الجنسيات العربية والأجنبية في مختلف أرجاء المعمورة، فقد كان المطعم اليمني من أبرز المشاركين أواخر 2007م بالعاصمة القطرية بفعاليات “سوق واقف” الذي نظمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث الفعاليات الفنية والتراثية القطري، حيث أضحى المطعم اليمني يحتل مكانا مرموقا في السوق من بين مختلف المطاعم العالمية، وذلك بعد أعمال التطوير والإضافة لسوق واقف وتزويد السوق بعدد من المرافق الحيوية الجديدة منها مجموعة المطاعم النوعية الجديدة التي تم إضافتها للسوق، وهي مطاعم مختلفة كل منها يمثل بلداً عربياً مختلفاً يقدم الأكلات الخاصة بهذا البلد، فهناك المطعم اليمني والمطعم العراقي والمطعم اللبناني والمطعم المغربي والمطعم النوبي والمطعم التركي والمطعم الإيراني وغيرها من المطاعم المختلفة التي تمثل أشهر أنواع المطابخ العربية.
مطعم الركن اليمني في قطر
وقد أصبح سوق واقف من أفضل المعالم السياحية الموجودة في قطر خاصة أنه يقدم مجموعة من الفعاليات التراثية القديمة ويشرح من خلال ما فيه من فعاليات أساليب حياة أجدادنا وآبائنا الأقدمين وكيف كانوا يعيشون ويأكلون ويشربون وكيف كانوا يمارسون حياتهم الطبيعية في مختلف الوجوه.
وبالإضافة للفعاليات الفنية والتراثية التي يشرف عليها المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث القطري أصبحت المطاعم والمقاهي الجديدة التي تم إضافتها مؤخراً للسوق تمثل أهم المعالم التي يحب زوار السوق ورواده اللجوء إليها للترفيه عن أنفسهم والاستمتاع بأجواء السوق الساحرة .
وقد أصبح “مطعم الركن اليمني” من بين المطاعم الجديدة التي انضمت لسوق واقف، ومن المعالم البارزة فيه والذي يقوم بتقديم الأكلات اليمنية الشهيرة ، ومن أهم الأكلات التي يقدمها المطعم هي مندي اللحم والسلتة والفحسة والمقلقل والعقدة والسمك التنوري وسمك الطفاية العدني والخبز الملوح والرشوش.
ويوضح القائمون على مطعم الركن اليمني ما يضمه المطبخ اليمني من أنواع الطعام وأسعاره بالعملة القطرية كوجبة مندي اللحم الحضرمية فهي أكلة معروفة وسعر الوجبة فيها 40 ريالاً، أما السلتة فهي عبارة عن لحم مفروم مع الخضار والصلصة والحلبة وسعرها 40 ريالاً، أما الفحسة فهي عبارة عن لحم بلدي مطبوخ في القدر مع الصلصة والخضار، أما المقلقل فهو عبارة عن لحم صغير مقطع ومطبوخ في المقلاة مع الخضار وسعره 25 ريالاً، كما يوجد كبدة الغنم مطبوخة في المقلاة مع الخضار وسعرها 15 ريالاً، وهناك الفول القلابة على الطريقة اليمنية وسعره 10 ريالات.
أما وجبة العقدة فهي عبارة عن لحم بلدي مطبوخ في المقلاة مع الخضار وهي تنقسم إلي ثلاثة أنواع هي عقدة اللحم وعقدة السمك وعقدة الدجاج وسعر هذه الوجبة 45 ريالاًًً، أما السمك التنوري فهو عبارة عن سمكة مشطورة من الوسط بحيث يتم وضع البهارات فيها ثم توضع في التنور ويبلغ سعرها 50 ريالاً، كما يوجد أيضا السمك الطفاية وهي عبارة عن أكلة عدنية مشهورة مكونة من السمك المطبوخ في المقلاة مع فصوص الطماطم والخضار ويبلغ سعرها 40 ريالاً.
هوية وشكل مطاعمنا
إن هدف الوصول بخدمة المطاعم اليمنية في الخارج إلى درجة عالية من الجودة والعالمية وتلبية كافة متطلبات الجمهور الخارجي، ينبغي للجهات المعنية بوزارة السياحة إيلاء الاهتمام الكبير بانتقاء واختيار الأطعمة اليمنية ذات الشهرة والجودة الكبيرتين لنقوم بعدئذ بتقديمها بصورة تنافسية في سوق الأطعمة الدولية لتناسب جميع الأذواق والجنسيات..، كما يجب تأهيل الطهاة بشكل علمي مدروس وتوفير المعاهد التي تعدهم لذلك ممن لديهم القدرة الكبيرة في طبخ وتقديم الأطباق بمختلف مسمياتها بطريقة ممتازة و بجودة عالية، ولا يفوتنا الإشارة إلى ضرورة تحديد أدوات ومعدات الطبخ الخاصة بالوجبات اليمنية وتوفيرها لمطاعمنا في الخارج بمواصفات جيدة.
كما ولابد من الاتفاق مع جميع المختصين والمعنيين على شكل مميز لمباني المطاعم اليمنية في الخارج لتحديد علامة وهوية مميزة لها مثل المطاعم الصينية أو البيتزاهت وماكدونالدز وكنتاكي.. وغيرها، لتكون معلماً مميزاً وبأسلوب خدمة راقية وبمستوى عالٍ من الأداء للزبائن.
إن ماتقدم لن يتحقق في يوم وليلة ولكن ينبغي وضع اللبنات الأولى لهكذا مشروع مربح مادياً ويرفد البلد بكثير من الأموال من تحويلات المغتربين أصحاب تلك المطاعم، كما أن تلك المطاعم ستكون المروج الأول في الخارج للاستثمار والسياحة في بلادنا، وأعتقد أن تأسيس هيئة خاصة للترويج للمطاعم في الخارج ستكون البداية الصحيحة للبدء بتحقيق هكذا هدف.
فقطاع المطاعم يعد قطاعاً اقتصادياً واعداً للغاية لجهة التوسع فيه وعدم إهماله لدوره في رفدنا بإيرادات كبيرة، والمراقب لنشاط ومداخيل المطاعم العالمية كالبيتزاهت وماكدونالدز وكنتاكي سيدرك مدى ربحية هذا المشروع، لذا فعلينا أن نتوسع لتطوير سلسة المطاعم اليمنية في الخارج لتغطي كل المدن التي لم تصلها في هذه المعمورة،
على أن يتم إخضاع ذلك لدراسة علمية وافية وتنظيم خطط لتسويق حق الامتياز لهذه المطاعم، لان المطاعم في الخارج هو استثمار ناجح ومضمون ونشاط ترويجي لجذب السائحين إلى الداخل.
إننا ندعو بشدة لحصر المطاعم في الخارج وتنظيمها وتبويب أنواع المأكولات والأغذية التي تقدمها ووضع معايير للتعريف والترويج والتسويق لها وعلى وزارة السياحة والإعلام وكل الجهات المختصة والقطاع الخاص التعاون في هذا الأمر المهم اقتصادياً.