المرجعية الدينية بين معاول الهدم والبناء (2/3)
المرجعية الدينية بين معاول الهدم والبناء (2/3)
الشيخ الدكتور سعد بن عبد الله البريك
لما تحدثنا في مقال سابق عن قضية (توسعة المسعى)، لزمني الحديث ـ عرضا ـ عن المرجعية الدينية وبيان أهميتها ـ بتوفيق من الله ـ في حفظ توازن البلاد ووحدتها واستقرارها، وحمايتها من العدوان الخارجي والفتن الداخلية، فارتأيت في هذا المقام أن أزيد المسألة إيضاحا وبيانا.
إن أهمية المرجعية الدينية لا تتجلى في طريقة الإفتاء ونوعيته المؤسسة على قواعد شرعية ثابتة ومُحكمة فقط، ولكنها تتجلى أيضا ـ وبصفة أهم ـ في منع الالتباس ورفع الخلاف والحرج عن المسلمين، والحفاظ على الاستقرار الفقهي الذي يتبعه بالتجربة استقرار فكري وسياسي، خاصة عندما تضطرب الأمور وتنساق الفتاوى وفق الأهواء والمشارب، ويتيه الحق وسط ظلمات الليل الدامس.
هل هذه دعوة للوصاية على الفكر؟ وهل نُريد حصر الناس اليوم في أروقة فقهية تحكمها مرجعية دينية في زمن الانفتاح والعولمة والآراء المتضاربة؟ الجواب هو النفي بطبيعة الحال، لأن الحديث عن أهمية المرجعية الفكرية والدعوة إلى الحفاظ عليها هو صمام الأمان في المجتمعات المسلمة، حتى لا يُطل علينا كل يوم رجل بفهم شاذ جديد قد يُصيب الأمة في مقتل، إما دعوة لعصبية أو طائفية أو سعيا للفتنة وإغراق البلد في فوضى مدمّرة، تُقابل سياسة الفوضى البنّاءة التي تُنادي بها عصابة المحافظين الجدد في البيت الأبيض الأمريكي، وقد آتت أكلها الفاشل والمدمّر وانقلب السحر على الساحر.
إن الدعوة إلى إجلال المرجعية الدينية في مجتمعنا وعدم التهاون في زجر من يتطاول عليها أو يطعن فيها ممن يُروّج اتهامها بالتخلف والطعن فيها تأتي من باب الحرص على استقرار الوطن والأمة لتجنب الوقوع في مهالك الخلاف والتنازع الذي يُفشل المسلمين ويُذهب ريحهم؛ فالتجارب التي عاشتها دول إسلامية سابقة تكشف الفارق الذي يُشكّله وجود المؤسسات الدينية أو غيابه، وكيف يؤدي التباس المفاهيم واستفحال الخلاف إلى تجاذب التيارات السياسية والفكرية واحتكارها للحقيقة المُطلقة إلى ضرب هذه الدول في صميمها، وهو ما يُفقدها استقرارها وأمنها، بل ويُغرقها في حروب داخلية تُهتك فيها الأعراض وتُسفك فيها الدماء وتطيش فيها سهام الفتنة التي قرر الشرع أنها (نائمة لعن الله من أيقظها). وهذا الإجلال والتوقير ذاته يُحتّم على المرجعية أن تكون سريعة الإيقاع الحاضر فيما يستجد من النوازل والمتغيرات حتى لا يسبق إلى المتسارعين في الأحداث طيش حاضر في سباق الحكمة المتأخرة.
إن من تمام نعمة الله على بلدنا هذا أن يكون بلدا يجمع العلماء ويُكرمهم ويُعلي قدرهم وشأنهم، وعلماؤنا ـ جزاهم الله عنا وعن المسلمين كل خير ـ ما توانوا ولا استكانوا، ناصحين مُرشدين مُبيّنين، آمرين بالرشد ناهين عن السفه، وآخذين بيد من أخطأ أو جنى، ولهذا ينبغي أن يعرف قدرهم كل مسلم يعيش فوق هذه الأرض الطاهرة.
لقد عرفت بلادنا ـ سلمها الله من كل الشرور ـ منعطفات صعبة ونقاطا حاسمة كان يمكن لنتائجها أن تكون كارثية ـ لا قدّر الله ـ لولا عناية الله أولا، ثم حكمة مرجعيتنا الدينية ثانيا. فحرب الخليج الثانية كان يمكن أن تتحول إلى حرب داخلية تتراشق فيها التيارات الفكرية وتتحارب وتتطاحن، ويدخل البلد الذي كان حينها في أمسّ الحاجة إلى وحدة الرأي والكلمة والاتفاق لمواجهة الخطر الخارجي المُحدق، يدخل في صراع داخلي يُسببه التردد في اتخاذ القرارات اللازمة لحماية بيضة البلد. ولو اضطرب علماؤنا حينها أو انقسموا أو ترددوا في الإفتاء بما اقتضته طبيعة المرحلة وظروفها العصيبة، لكان شأننا اليوم غير ما نشهده ونعهده.
ولما بزغ نجم الإرهاب وانتشرت موجة التكفير ومحاكمة النوايا، كانت مرجعيتنا الدينية المتمثلة في العلماء هي من وقف سدا منيعا ـ ولا يزال ـ أمام أفكار التكفير المنحرفة التي تُحرق البلاد وتُحولها إلى ركام وخراب. ذلك أن التجارب المؤلمة التي عرفتها بعض الدول الإسلامية الأخرى في هذا الباب لم تكن لتنزلق إلى مهاوي الردى لو كانت تملك مرجعية دينية لها سلطتها على النفوس: سلطة الاحترام والتبجيل والاعتراف بالفضل والعلم، لأن هذه المرجعية لو وُجدت لقالت كلمتها الصريحة المستمدة من الوحي الإلـهي، ولأوضحت أن فتنة تطاير الرقاب وسفك الدماء والحروب الأهلية أخطر وأشد من الخلاف والنزاع الحاصل بين الحاكم والمحكوم، أو بين هذا المذهب أو ذاك.
ولقد اعترفت بعض الدول الإسلامية التي قاومت الإرهاب بعد استفحاله وانتشاره أن مواجهة الانحراف الفكري لا يتم ولا يُؤتي ثمرته المرجوة إن غاب المصلحون والعلماء الذين يُحاربون هذه الأفكار من جذورها، ببيان حدود الشريعة الإسلامية وأحكامها في هذه القضايا العصيبة.
والمقصود بالمرجعية الدينية التي نؤكد على ضرورة الحفاظ عليها والالتفاف حولها مرجعية جماعية لا فردية، وقد تقرر في العقول أن الحق يكون أقرب إلى الجماعة منه إلى الفرد الذي قد لا تُسعفه جمهرة العقول ولا سلامة المواقف ولا عمق التجربة.
المرجعية الدينية إذًا هي صمام أمان المجتمع والدولة، لأنها مرجع التنازع عند الخلاف كما قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: 59]، ومعلوم أنه لا أحد أقدر من العلماء على بيان مُراد الله سبحانه، ومُراد نبيه صلى الله عليه وسلم. والمرجعية الدينية هي التي تواجه الأفكار المُنحرفة والتكفير، وهي التي تحافظ على استقرار المجتمع وأمنه الفكري الذي يتبعه بالضرورة أمن سياسي، وهي التي تقوم الاعوجاج وتنصح وتُرشد من أخطأ، من قمة الهرم إلى أسفل القاعدة، أداء للأمانة التي حملوها واضطلعوا بأعبائها.
ومعلوم أن (أولي الأمر) في الآية الكريمة تشمل الجماعة الذين ظهر صلاحهم وبان فضلهم وعمق معرفتهم بالأحكام الشرعية ومقاصد التشريع، ولهذا كان الاستمساك بهم عصمة إذا تنازعت الأهواء واضطربت الأقوال، وعصفت رياح الفرقة العاتية بكل شيء صادف طريقها، لاسيما وأن مواقفهم تجمع إلى عمق الفهم ومعرفة حكمة التشريع الحزم والاحتياط وتجنيب البلاد والعباد مآل الأفكار الارتجالية التي لا تتجاوز نظرة صاحبها ساعته أو يومه.
ولهذا، فإنه من غير المقبول، ولا المعقول، أن تتوجه سهام الطعن إليها، مُشهرة أسلحة الفكر المنحرف، والثقافات الوافدة التي لا تمت إلى الإسلام وتعاليمه بصلة، بحجة أنها مؤسسة بالية تجاوزها الزمن ولم يعد من وجودها أمل في استجلاب نفع، أو في دفع ضر. أو بحُجة أن ذلك نوع من الوصاية الفكرية وقمع لحرية التعبير. والتجارب أثبتت أنه لا مجال للحديث عن الحرية والإبداع في غياب الأمن، وأن الدور الذي تقوم به مرجعيتنا الدينية أسمى من كل وصف أو تقدير، والتاريخ كفيل بإيضاح حقيقة ما نذكره. وأما الواقع فطافح في تعظيم الطوائف الأخرى لمراجعهم، فهل نُدرك ماذا يعني غياب المرجعية والطعن فيها؟ . وللحديث تتمة .
|