أمراض القلوب وسُبل علاجها
بسم الله الرحمن الرحيم
أمراض القلوب وسُبل علاجها
شهدت الإنسانية في وقتنا الحاضر أشد الأمراض فتكا وأوقعها بأسا على الكائن البشري من مختلف الأجناس والأصقاع، ومما لا ريب فيه أن أخطر هذه الأمراض على الإنسانية هي الأمراض النفسية التي بات العلم الحديث يولي لها أكبر قدر من الاهتمام، ليس فقط من جهة علاجية بل بضم التركيز الأكبر على الجانب الوقائي، فعلماء النفس - على اختلاف تنوع مدارسهم النفسية - لما استعصى عليهم أمر الاستشفاء النفسي ركزوا على مبدأ الوقاية خير من العلاج، ذلك أن العلاج في حد ذاته نتيجة متقلبة من فرد إلى آخر، فالوصفة الطبية الواحدة قد تكون علاجا للمريض الواحد دون غيره رغم اشتراك كل منهما في أعراض المرض، مما أدى بالحقل العلاجي إلى اعتبار هذه الوصفة الطبية وصفة للمريض الواحد لا للمرض الواحد، من هنا فقد علم النفسي العلاجي مصداقيته ليفتح لعلم النفس الوقائي أفقا واسعا من التقدم العلمي.
بهذا كـُتب لعلم النفس أن يظل علما نظريا - لاهتمامه بالجانب الوقائي - يقوم على افتراضات كثيرة، ولقد حاول كثير من العلماء خلق قفزة نوعية بهذا العلم من جانبه العلاجي وذلك بتطبيق مبادئ العلوم التجريبية عليه مما يحد من آفة الأمراض النفسية على قدر ما حده الطب التجريبي من أمراض عضوية تقبل المعاينة المجردة والملاحظة المجـرّبة، فكان من ذلك ظهور أنواع من الطب العلاجي أهمها العلاج الدوائي الذي يعتمد فيه الأطباء النفسانيون على نظام التدرج في الجرعات المسكنة على تنوع دوائي مهول.
وهذا العلاج الطبي الأخير - الدوائي - اعتمد فيه العلماء على منهج تجريبي، ولا يمكن اعتباره حلا في نظر أكثر الخبراء المختصين لأن العلم التجريبي في حد ذاته هو علم مادي يقوم على الملاحظة والتجربة، أما علم النفس فيبقى اهتمامه حبيس [النفس] التي لا يمكن لأي منا ملاحظتها بأدوات التجربة مهما كانت درجة التطور التي تستند إليها، اللهم إلا من جانب واحد عرف فيه علم النفس الدوائي بعض التقدم وأقصد به الجانب العصبي، الذي باعتباره المركز الوسيط والمباشر بين الذات والنفس يتأثر ويتضرر بالضغوط النفسية، مما يساهم في تضرر باقي الذات المحاطة بشبكة عصبية معقدة. فتكون وظيفة الطب الدوائي الإقلال من توترات الأعصاب المتضررة بتناول جرعات مسكنة وبالتالي تختفي الأعراض المرضية في الذات مع بقاء المرض النفسي الذي تسبب في ذلك، ولمجرد الإقلاع عن تناول الدواء المسكن تعود تلك الأعراض من جديد لأن المرض المتسبب في وجودها - المرض النفسي - لم يتم علاجه بعد.
من هنا عرف علم النفس الدوائي مرحلة شبه متقدمة أمام هذه الحيثية، لكن من ناحية أخرى وصل إلى نتائج مرضية وأعني بذلك ما إذا كان المرض النفسي ذا جذور عضوية فإن أنجع علاج هو العلاج الدوائي، وذلك كالأمراض النفسية التي تكون أسبابها عضوية محضة ومثال على ذلك الأمراض النفسية التي لها خلفية عقلية أو عصبية أو هضمية أو هرمونية أو حتى وراثية...
لذلك فإن الطبيب كي يتوصل إلى علاج فعـّال عليه تشخيص حالة المرض أولا، فإذا كان سببه من قبيل تلك الأسباب الظاهرة فإن العلاج الدوائي هو السبيل الأمثل إلى الشفاء، لأن الوصفة الطبية الواحدة في هذه الحالة تكون ناجعة على مختلف المرضى على غرار الأمراض النفسية التي تظهر لأسباب سيكولوجية.
بهذا فإن المريض كي يتوصل إلى نصف العلاج عليه أن يعلم سبب مرضه النفسي أولا من ذوي الخبرة والكفاءة الطبية، فإن كان السبب عضويا [ بيولوجية] عليه إتباع إرشادات الطبيب الكفء دون الرجوع إلى طبيب آخر في مرحلة العلاج إلا بدافع الاستشارة لا بدافع تغيير الوصفة الطبية، لأن علاج مثل هذه الحالات لا تتطلب وقتا كبيرا، إذ أقصى حد لملاحظة التحسن هي ستة أشهر، أما إذا كان سبب المرض النفسي سببا نفسيا [ سيكولوجيا] لا عضويا فإن علاجه لحد الساعة هو ضالة العلم الحديث، وأكبر جهد يمكن لأي طبيب فعله حيال ذلك هو أن يتبع مع مرضاه أسلوب الحوار عبر جلسات مطولة لسبر أغوار النفس حتى تتم معاينة المرض المدفون في العقل الباطن، وكثير من المرضى لا تتوفر لديهم القدرة الكافية لمواجهة أسباب المرض والتلفظ بذكرها أمام الطبيب إما لتفاهتها أو لعظم وقعها، مما يطيل أمد تلك الجلسات المكلفة.
أما طريقة العلاج الدوائي اتجاه هذا المرض النفسي الذي تكون أسبابه سيكولوجية فإنها طريقة غير ناجعة لحد الساعة، لأنه - كما سلف - مرض لا يقبل الأسلوب التجريبي وكل ما في الأمر أنه علاج للأعراض المرضية التي سببتها الضغوط النفسية ليس إلا، لذلك كان الأولى معالجة المرض المتسبب لا الأعراض العضوية.
ولما تقرر الأمر بهذا النوع من الأمراض النفسية في علم النفس على هذا النحو تنوعت الأساليب الهادفة إلى علاجها خصوصا في وقتنا الحاضر، فظهر ما يسمى الطب البديل بشكل مغاير على ما كان عليه بالأمس البعيد، فارتاد المرضى النزوح إلى ذوي هذا الطب ومغادرة العيادة النفسية التي لم تأت بنتائج مرضية، ومن بين أنواع الطب البديل الأكثر شيوعا التداوي بالأعشاب و الحجامة والاستشفاء بالرقية سواء الشرعية منها أم العرفية التي تداول الناس على التطبيب بها، وغير ذلك من البدائل العلاجية التي تـُعنى أكثر بالأمراض المزمنة النفسية منها والعضوية. ومما لاشك فيه أن اللجوء إلى مثل هذه الأساليب في نظر أكثر المتخصصين إنما هو مضيعة للوقت والمال و مجلبة لليأس وسوء المنقلب، لأنها أساليب لا ترقى إلى العلم والإدمان على التردد إليها لا يحل المشكلة بل يزيد من شدة المعاناة بظهور أمراض أخرى بتناول وصفات عشبية سامة.
والذي أراه أن تلك الأساليب البديلة هي أشد فتكا على المريض من الجرعات الدوائية التي يصفها الطبيب النفسي لمرضاه إلا الرقية الشرعية التي تقوم على مبادئ مسلمة، هذا بجانب بعض أنواع الأعشاب التي تغني المريض عن تلك الجرعات الكيماوية، إنما لما تداول الرقية الشرعية في وقتنا أراذل القوم و جهلتهم زيد فيها ما ليس منها من طرق أكثرها طرقا شركية لا تمت بالدين بصلة، كما أن المريض نفسه ساهم في تكدير صفاء الرقية الشرعية باعتقاده لخزعبلات لا وجود لها بدء من الإيمان بتأثير النجوم في شخصيته وانتهاء إلى اعتقاد تحكم الجن في ذاته، فلم يلبث أن شارك الدجالين إيمانهم وقد نهى الشرع عن الإتيان إلى أمثال هؤلاء المردة الذين يستترون وراء شرعية الرقية.
وهذا الاعتقاد المنحل هو أكثر الأسباب الهدامة للشخصية الإنسانية، فإذا كانت الرقية مشروعة فإنما هي كذلك في حدود الكتاب والسنة، وقد علمنا بأن التماس الأسباب في تجنب الأمراض النفسية يكون بإتباع الهدي المنزل على رسول الله عليه الصلاة والسلام لا بإتباع الهذيان الذي أتى به الدجالين من قبل الشياطين، فكذلك يكون التماس أسباب العلاج من هذا الهدي المرتل إلى يوم القيامة.
ونحن ما إذا تمعنا كلام الله تعالى وجدنا الكتاب ينص على أمراض القلوب في عدة آيات ويوضح أسبابها والطرق الكفيلة بعلاجها، ومجرد التزام المريض بذكر الله تعالى مع الابتعاد عن نواهيه يحصل له الامتثال إلى الشفاء، ولا يشترط في تجريب هذه الوصفة على المريض وسيط ما بل ذلك من كمال الاستشفاء، لأن الواحد منا إذا كان على دراية بقراءة المصحف الكريم فإنه في غنا عن واسطة بينه وبين الله تعالى، اللهم إلا من باب التبرك بأحد الصالحين فذلك من الجائز في الإسلام.
|