قصة لكل من أراد النوم
حملت قلمي كعادتي...ذاك القلم البالي المنكسر، حملته بين أناملي كي أعود بذاكرتي إلى الماضي...ذاك الماضي الخالي المندثر.
كان الوقت ليلا لما عكفت على تدوين أحداث القصة...تلك القصة التي توارثها الأسلاف، لم أكن قبلا ألقي لمثل هذه الروايات بالا...إنما لما أرخى الليل ظلامه في مثل هذه اللحظات التي يسكن إليها الرواة والقصاصون وددت أن أقوم بدور الراوي.
طبعا للقصة أصولها تماما كما أن للتأريخ أصولا، إلا أن الرواية القصصية يتمازج فيها الواقع بالخيال والحاضر بالمستقبل ، أما التأريخ فإنه يتطلب مطابقة الخبر للواقع ومعالجة الماضي دون المستقبل..من هنا سأكون وفيا لرواية القصة بسرد أحداثها إجمالا كما سأحرص على أن أكون أيضا وفيا لأصول التأريخ بعرض أهم ما في القصة من أخبار ثم عرضها على أصول التأريخ وضوابطه.
والغريب في الأمر أن تلك القصة التي ظلت على الألسنة مستمرة هي قصة من طراز الأحاجي التي تبلى مع مرور الزمن ، ولعل السر في قطعها لأشواط التاريخ بما فيه شوط الحضارة والتمدن يرجع بالأساس إلى أمريين ، الأمر الأول يتعلق بالقصة ذاتها ويتجلى أكثر في أحداثها المتناقضة حين يلتقي الضحك بالبكاء ، و الغنا بالفقر، والحياة بالموت، والنور بالظلام ...والأمر الثاني يتعلق بالمخَـاطبين أي بمن يتلقى هذه القصة ثم يرويها لغيره مع الزيادة أو النقصان في أحداثها، وكأن للقصة قصاصين كـُثر، فهي بمثابة قصة للإنسانية جمعاء.
يقال بأن القصة في عصرها الأول دونت في أجزاء عدة من الكتب ، وقد بالغ أحدهم بأن قال كتبت في عشرين مجلدا كل مجلد يعدل الألف صفحة، لكن المثير أمام إختلاف مقدار صفحاتها الذي لا يتنزل على عشرة مجلدات إجماعا أن القصة دونها المتأخرون في عصرنا في صفحات معدودة أما باقي الصفحات فهي لا ترمز لهؤلاء إلى أهمية ذات بال رغم اعترافهم بوجودها على ذلك الحجم في العصر الأول.
إنما ما الدافع من حذف تلك الصفحات، تفقدت القصة مرات عدة لعلي أجد السبب من ذلك هو الإستغناء عن الأحداث الأسطورية والخيالية في زمن العولمة، لكن كل ما قرأته فيما تبقى من القصة هو الآخر لا يمت بصلة إلى الواقع.
فالقصة تروي لنا أحداث العبودية التي نالت بقوم اليهود في مصر أثناء قيام العصر الفرعوني المتأخر بها ، والذي تبقى من القصة أن هؤلاء اليهود سيحكمون العالم بعد هيامهم في الأرض وخروجهم من سلطان العبودية الذي أجبره عليهم فرعون مصر ، وبالضبط القصة تروي في صفحاتها الأولى هروب اليهود من فرعون المانيا ثم الإنضمام إلى الخريطة الجديدة التي وضعها الإنجليز بالشرق الأوسط.
طبعا القصة تبالغ في الخيال أمام الواقع المفترض الذي ينبأ بالمستقبل المسلم، وأصول التأريخ تدل على أن التاريخ يدون بدء من نشوء وطن أم للشعب المراد تأريخ أحداثه، لكن لم أجد فيما قرأت لليهود وطنا حتى أتأكد من أن الرواية هي من صميم التاريخ لا من نسج الأحاجي، لذلك هي لازالت تروى على أنها قصة ليس إلا...
ولقد تفضل الله عليهم لما أرسل إليهم موسى عليه السلام رسولا ونبيا وكي يخرجهم الى أرض الميعاد ناجيين من عذاب فرعون ، وحتى يسلموا إلى الله ورسوله ومن ثم يبدأ التأريخ لهم على أصوله ، لكن القوم استبدلوا هذا الفضل بالعناء وأرادوها عوجاء فلم يسعف التاريخ أحداثهم فتولى تدوين أخبارهم القصاصون والرواة، فمزجوا الباطل بالحق ثم لبثوا على تلكم الأحاجي عاكفين على أنها الكتاب المقدس التوراة.
ضم هذا الكتاب الجديد الذي دونه اليهود على أنه من الكتب السماوية قصصا وأحاجي وأشعارا وخزعبلات لا تحصى، ولما نضج العقل الإنساني شيئا فشيئا لم يتقبل مثل تلك الأساطير فاضطر الرواة إلى التعديل إما بالزيادة أو النقصان حتى يتماشى النص الديني مع الزمن، لكن رغم ذلك فإن الصفحات المتبقية هي الأخرى ستعرف تعديلا لما يأتي الله بوعده الذي وعده لعباده الصالحين، حينها فقط يتبقى من تلك القصة كلمة واحدة وهي لا إله إلا الله
[/size][/size]
|