الجـزء الثـالـث عـشـر..
-13-
العودة للماضي..
****************
دخلت أم أمل المنزل، واتجهت للدرج صاعدة لغرفتها..إلا أن صوتا من ورائها أوقفها قائلا: كيف حال سامي؟
استدارت أم أمل و ابتسمت لزوجها قائلة: الحمد لله..أفضل بكثير..أحمد الله و أشكره..
اتجه والد أمل نحوها ثم أمسك يدها وهو يقول: الحمد لله..هل أمل لازالت هناك؟
هزت أم أمل رأسها قائلة: أجل.. أتعلم..لم أكن أتوقع من أمل أن تتصرف معه هكذا..جاءت أمس للمنزل لأقل من ساعة..ثم عادت للمستشفى ثانية..ترفض أن تتركه..
قال والد أمل : ولم لم تتوقعي هذا..أظن أن ما تفعله شيء طبيعي..
نظرت إليه أم أمل بقلق فأردف قائلا: أعلم ما تخشينه..لكني أرى أنها تتصرف انطلاقا من مشاعر أخوية تحسها تجاه سامي..أما بالنسبة إليه..فأنا أثق بكلمته..وقد قال أنه لن يفكر فيها يوما إلا كأخت..
وأخذ يربت على يدها مكملا: أرجو منك أن تتوقفي عن قلقك هذا..فقد انتهينا من هذا الموضوع..وللأبد..
تنهدت والدة أمل قائلة: أتمنى هذا..المهم الآن أن سامي بخير..
وصمتت قليلا قبل أن تستطرد: متى سنسافر لمدينتنا؟
أطرق والد أمل برأسه لثوان ثم رفعه قائلا: لا أرى بدا من سفرنا هذا..قد تركنا خلفنا هناك كل الماضي..وفتحنا صفحة جديدة هنا..بهذه المدينة.. بالإضافة إلى أنك مريضة..أخشى عليك الذهاب ومواجهة ذكريات عشت كل سنوات عمرك الماضية في محاولة نسيانها..لا أرى أي نفع من العودة و إيقاظ أشياء قد ماتت منذ زمن..
قالت والدة أمل برجاء: لكني نذرت أني سأعود إلى هناك..وأصلح من أخطاء الماضي ما يمكن إصلاحه..إن شفي سامي..وسامي بخير..علي الوفاء بالنذر الذي نذرته..
أخذ والد أمل يتمعنها فأردفت بسرعة: ولا تقلق علي..سأكون بخير..ما حدث قد طوته السنوات..قد نسينا نحن ما حدث..وأظن أن من تركناهم هناك قد نسوا أيضا..
قال والد أمل وهو يهز رأسه بيأس: كما تريدين..سنذهب..لكن ماذا سنقول لأمل..
ابتسمت أم أمل بسعادة وهي تقول: سنخبرها أن هناك صفقة بعملك تستدعي سفرك لأيام..وأني سأرافقك..
ظل والد أمل يتطلع لملامح السعادة على وجهها للحظات قبل أن يقول: قلبي ينبئني بأن عودتنا هذه لن تجلب خيرا..لست أرى خيرا في نبش ماض لم نرى فيه إلا التعاسة و الألم..
**************
اجتازت ليلى الحديقة بخطوات سريعة، وما كادت تدلف لداخل المنزل حتى بدأت تصرخ قائلة: خالد..خالد !
بعد ثوان ظهر خالد أعلى الدرج وأخذ يضرب كفا بكف وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله..ما بك تصرخين كالمجنونة !
وضعت ليلى يدها على خصرها وعقدت حاجبيها قائلة: مجنونة لأني أحمل أخبارا ستفرحك؟
رد خالد ببرود: لا أدري يا ابنة عمي..لم اعتد أن تأتيني منك أخبار تفرح !
ثم استدار عائدا إلى غرفته وهو يردف: تعالي لنتحدث بغرفتي..
صعدت ليلى الدرج مسرعة ثم تبعته لداخل الغرفة و ارتمت على أقرب مقعد وجدته لاهثة وهي تقول: قد التقيت بصديقة أمل اليوم بالجامعة..سارة..
جلس خالد قبالتها ثم قال : وما يهمني من هذا؟
ابتسمت ليلى و ردت: ما يهمك..هو أني علمت منها السبب الذي جعل أمل لا تحضر ذاك اليوم..
نظر إليها خالد باهتمام فأكملت: ساره تقول بأن ابن جيران أمل تعرض لحادث..وما فهمته منها أن هذا الشاب يعتبر بمثابة فرد من عائلة أمل.. العائلتين تجمعهما علاقة وطيدة..
بدا الجمود على ملامح خالد وهو يقول: أتعتبرين هذه أخبارا مفرحة؟
قطبت ليلى حاجبيها قائلة: لا أقصد أن نفرح لكون ذلك الشاب قد تعرض لحادث..ما أقصده هو أن ما قلته لك يومها كان صحيحا..ألم أقل لك لربما أمل تملك عذرا مقنعا لعدم مجيئها؟
عقد خالد ذراعيه على صدره، وبدا عليه أنه يفكر بكلام ليلى التي استطردت : ساره تقول أيضا أن أمل تلازم المستشفى منذ ذاك اليوم..حتى أنها لم تأت للجامعة اليوم..
ابتسم خالد قائلا : ابن الجيران..وتربط العائلتين علاقة وطيدة..وهي تلازم المستشفى منذ ذاك اليوم؟ !
بادلته ليلى الابتسامة وهي تقول: لا تجعل أفكارك تذهب بك بعيدا..بإمكاني أن أؤكد لك أن أمل تعامله معاملة الأخ..
ثم أخرجت هاتفها من حقيبة يدها قائلة: سأتصل بها..
قال خالد بهدوء: و لمَ؟
ردت ليلى بابتسامة خبيثة وهي تطلب رقم أمل: سأرى إن كان بإمكاني زيارتها المستشفى..
قال خالد مستغربا: ولم تريدين زيارتها بالمستشفى !؟
ابتسمت ليلى دون أن ترد عليه..وظلت تنتظر أن تجيبها أمل لبرهة ثم قالت حين سمعت صوتها: أمل..كيف حالك؟
نظرت ليلى لخالد الذي يتطلع إليها باستغراب وقالت: الحمد لله..أنا بخير..ساره أخبرتني بأن سامي جارك قد تعرض لحادث.. و بأنك معه بالمستشفى..
رفع خالد حاجبيه بدهشة و قال: وتعرفين اسمه أيضا !
أشارت ليلى إليه بيدها كي يصمت وهي تقول:حمدا لله أنه بخير الآن.. كنت أفكر بزيارته..
وصمتت قليلا ثم صدرت عنها ضحكة وهي تقول: لا تسيئي فهمي..أنا أريد أن أراك..ولا بأس أن انتهزها فرصة و أطمئن عليه هو أيضا..
كان خالد يراقب ليلى وهو مستغرب طريقة حديثها هذه.. يبدو عليها أنها مهتمة بسامي هذا..
وفجأة تذكر شيئا.. فقال: اسأليها ماذا فعلت بخصوص البحث الذي كانت تعده..
وضعت ليلى يدها على الهاتف كي لا تسمعها أمل ثم قالت بصوت منخفض: ألم تقل أنك لا تمنح فرصا كثيرة..لم تسأل إذا !
عقد خالد حاجبيه وقال بلهجة آمرة: قلت لك اسأليها !
ضحكت ليلى ثم قالت مخاطبة أمل على الهاتف: خالد يسألك ما الذي فعلته بخصوص بحثك ؟
أخذت تهز رأسها بتفهم ثم التفتت لخالد قائلة: تقول أنه كان عليها تسليمه لأستاذها اليوم..لكنها لم تنتهي من إعداده بعد..طلبتْ من ساره أن تتحدث مع الأستاذ كي يمنحها وقتا إضافيا لكنه رفض..
قام خالد من المقعد الذي كان جالسا عليه وخطف الهاتف من يد ليلى ثم قال : أمل..أنا خالد..ما اسم أستاذك؟
قامت ليلى هي الأخرى في محاولة لإرجاع هاتفها وهي تقول بعصبية: خالد..من أين تعلمت هذا الأدب..أعد لي الهاتف..
لكن خالد دفعها لتعود للمقعد وابتعد عنها قليلا وهو يقول: ألا تستطيعين المرور اليوم بمنزلنا..بإمكانك أخذ الكتب التي تحتاجينها..وسأساعدك في إعداده..لن يؤخذ منا وقتا طويلا..
التفت خالد لليلى و ابتسم حين رأى ملامحها الغاضبة ثم اطرق برأسه قائلا: ليس هناك أي إزعاج يا أمل لا تقولي هذا..فكري بالموضوع ..إلى اللقاء الآن..
*******************
|