- ما هذه الوحدة القاتلة!
قالتها أمل و هي ترمي بنفسها على السرير، تشعر بالملل، كل ما تقوم به هذه الأيام هو الذهاب للجامعة، والعودة من الجامعة، وأحيانا تخرج برفقة ساره، كل أيامها أصبحت نسخة من بعضها البعض، لا تحمل أي جديد..
تنهدت بعمق وهي تقول: لماذا تركتني يا سلمى..لماذا !
اعتدلت أمل جالسة، أمسكت بهاتفها وهمت أن تتصل بسلمى لكنها عدلت عن ذلك.
لن تزعجها، سلمى لم تتصل بها منذ أيام، يبدو أنها قد نسيتها، وانشغلت بحياتها الجديدة.
قد قالها لها سامي من قبل، لكنه لم تصدقه..
ابتسمت أمل بحزن حين تذكرت سامي، هو الآخر أغلق هاتفه، تعبت من محاولة الاتصال به، والدته أخبرتها أنه أخذ إجازة من العمل و ذهب برفقة حسام لقضاء بضعة أيام على البحر.
لكن لمَ قام بإغلاق هاتفه، لا يريد أن يزعجه أحد.. أو ربما لا يريدها أن تزعجه هي بالذات..
لَم يُتعب نفسه حتى بالرد على رسائلها التي بعثتها له قبل أن يذهب، لم يتعب نفسه حتى بسؤالها عن ما تريده منه..
أغمضت أمل عينيها، وهي تعيد ذكريات كثيرة جمعتها بسامي، الحقيقة أنها اشتاقت له، ليس مهما إذا كان بجانبها.. هل يزعجها.. يتشاجر معها.. يستفزها.. المهم أن يكون موجودا.
حتى حين كان سامي يتصرف بلؤم معها، كانت تشعر بالأمان لأنه بقربها..لا تدري لماذا..
ربما لأنه كان دائما يدافع عنها، لطالما دخل في معارك من أجلها وهم صغار،ورغم أن والديه كانا يعاقبانه على ذلك، كان دائما يقف بوجه أي شخص قد تسول له نفسه أن يزعجها..حتى أن جميع أطفال الحي فهموا هذا..وأصبحوا يحسبون لها ألف حساب، خوفا من قبضة سامي..
لكن يبدو أن الجميع يتغير مع مرور الزمن، الحياة تغير الناس، سلمى انشغلت بحياتها عن صديقة عمرها، وسامي يتجاهلها، واضح أنها أصبحت تشكل إزعاجا له..تشكل إزعاجا للجميع.
عادت أمل تتنهد وقالت بنبرة حزينة: لا أحد يرديني..لا أحد..
لم تكد تنهي عبارتها حتى علا رنين هاتفها باتصال، نظرت لشاشته ثم ردت بسرعة: ليلى..كيف حالك؟
ردت ليلى بمرح: بخير..كيف حالك أنت..لم أرك منذ أيام..ألا تذهبين للجامعة..
سكتت أمل، لقد كانت تتهرب من لقاء ليلى، ليس بسبب ليلى طبعا، لكن بسبب صديقاتها، هي لم تشعر بالارتياح لهن منذ رأتهن أول مرة..
ولا تستطيع الإنكار، هي تتهرب من ليلى بسبب خالد أيضا، هذا الشخص يجعلها تتوتر دائما، بالإضافة إلى أنه غامض ومغرور و مُعتد بنفسه..
قالت ليلى حين طال سكوت أمل: أمل..هل تسمعينني؟
ردت أمل بسرعة: أجل..أجل..
قالت ليلى وهي تعاتبها: قابلت سارة بالجامعة و سألتها عنك..فقالت لي أنك لا تفوتين محاضراتك أبدا، فلماذا لا تبحثين عني...ألا تريدين رؤيتي أم ماذا..
ردت أمل بتوتر: ما هذا الذي تقولينه..كل ما في الأمر أني أعود للمنزل فور انتهاء المحاضرات..لهذا لم ألتق بك ..
قالت ليلى بهدوء: حسنا إذا..أنا أريد أن أراك.. قد اشتقت إليك..ما رأيك أن تزوريني اليوم بالمنزل..
ابتسمت أمل وهي تقول: لكني لا أعرف عنوان منزلك..
ليلى: ليست مشكلة..أعطيك العنوان..ستجدين المنزل بسهولة..
أثارت الفكرة إعجاب أمل، بهذه الطريقة ستقابل ليلى بدون تلك الحاشية التي لا تفارقها..
ردت بابتسامة: حسنا..أعطني العنوان..
******************
توقفت سيارة الأجرة بحي من الأحياء الراقية بالمدينة، التفت السائق للمقعد الخلفي ثم قال وهو يخاطب
أمل: وصلنا يا آنسة..
أنزلت أمل زجاج النافذة، وهي مندهشة، لقد أوقفها السائق أمام منزل فخم جدا، بل هو أقرب للقصر،
التفتت له متسائلة و الدهشة قد علت ملامحها: هل أنت متأكد أن هذا هو المنزل الذي بالعنوان..
هز السائق رأسه وهو يقول: أجل يا آنسة..
نزلت أمل من السيارة، واقتربت من بوابة المنزل وهي لا تزال مندهشة، لم تكن تعلم أن عائلة ليلى بهذا الغنى، لم يكن يبدو عليها الثراء أيام المدرسة..يبدو أن أشياء كثيرة قد تغيرت.
أخرجت هاتفها من الحقيبة و اتصلت بليلى كما طلبت منها أن تفعل حين تصل..
بعد دقيقتين فُتحت البوابة، وخرجت منها ليلى وعلى وجهها ابتسامة عريضة ثم قالت بمرح: أهلا بك أمل..تفضلي بالدخول..
بادلتها أمل الابتسامة وقالت وهما يدلفان سويا للداخل: أصدقك القول..ظننت أن سائق سيارة الأجرة أخطأ بالعنوان !!
وضعت ليلى يدها على فمها ضاحكة ثم قالت: لماذا..
ثم غمزت بعينها وهي تضيف: هل أعجبك المنزل؟
كانت أمل مندهشة من جمال هذا المكان، البوابة تؤدي إلى حديقة رائعة وشاسعة، من الواضح أنه يتم العناية بها جيدا، ومقاعد بيضاء ذات أشكال جميلة منتشرة بها، وبآخر الحديقة يتواجد مسبح كبير لا يبعد كثيرا عن باب المنزل.. والمنزل بحد ذاته تحفة من التحف المعمارية، واضح أن عائلة سلمى تتمتع بذوق رفيع و باهظ !
ردت أمل بابتسامة: إنه رائع..
قالت ليلى بحماس: ما رأيك هل نجلس هنا ..أم نذهب لغرفتي؟
هزت أمل كتفيها وهي ترد: كما تريدين..
أمسكت ليلى بيدها قائلة: لنذهب لغرفتي كي لا يزعجنا أحد..لكن سأعرفك على والدتي أولا..قد حدثتها كثيرا عنك وتريد أن تتعرف إليك..
ابتسمت أمل وهي تقول: أنا أيضا أود التعرف إليها..
دخلت الفتاتان للمنزل و أخذت ليلى تنادي والدتها بصوت مرتفع، إلى أن نزلت هذه الأخيرة الدرج وهي تقول: كفاك صياحا..ماذا هناك..
ضحكت ليلى وهي تقول مشيرة لأمل: أردت أن أعرفك على صديقتي..هذه أمل..
اتسعت ابتسامة والدة ليلى وتطلعت لأمل قائلة: أهلا بك يا ابنتي..ليلى حدثتني عنك كثيرا..ومن كلامها عنك جعلتني أتشوق لرؤيتك..
بادلتها أمل الابتسامة قائلة: أشكرك يا خالة..سعدت بالتعرف إليك..
قالت والدة ليلى وهي ترمق ابنتها بنظرات جانبية: قد أخبرتني ليلى أنك من المتفوقين بالجامعة..ليتك تحاولين مع صديقتك هذه وتنقلين إليها بعضا من تفوقك..
ضحكت كل من ليلى و أمل وردت هذه الأخيرة: سأحاول يا خالتي..
نظرت ليلى لوالدتها ثم قالت وهي تلومها: أمي..لا تحرجيني أمام أمل..أنا أبذل ما بوسعي..لكن الدراسة لا تحبني كما لا أحبها..ماذا أفعل..
عقدت والدتها حاجبيها وهي تقول بجدية: أنا أخبرك ماذا تفعلين..ابدئي بالابتعاد عن مجموعة الفاشلات اللاتي تصاحبينهن..هن السبب برسوبك بالثانوية..منذ تعرفت عليهن و أنت فاشلة بالدراسة مثلهن..
زفرت ليلى و عادت تمسك بيد أمل ثم أسرعت صاعدة الدرج وهي تقول: أمي قد حفظت هذا الكلام..ثم هذا ليس بالوقت الملائم له..
كانت قد وصلت لغرفتها و أغلقت الباب حين سمعت والدتها تقول بصوت مرتفع: هداك الله يا ليلى..ستندمين على كل هذا إن لم تعودي لرشدك.. و تعرفي مصلحتك أين هي..
ضحكت ليلى ثم أخذت تلوح بيدها وهي تقول لأمل: لا تهتمي لأمي يا أمل..هي تظل تعيد هذه الأسطوانة على مسمعي طول اليوم..
رفعت أمل حاجبيها ثم جلست على كنبة بالغرفة وهي تقول: أسطوانة ! لا تتحدثي عن والدتك بهذا الشكل..ثم أنا أوافقها على كل ما قالت..هي تريد مصلحتك ليس إلا..
زفرت ليلى وجلست بجانبها وهي تقول: أنا أدرى بمصلحتي..ومصلحتي ليست بالدراسة أبدا !
ابتسمت أمل ثم قالت بهدوء: فهمت..مصلحتك ليست بالدراسة..مصلحتك تكمن في مرافقة صديقاتك
وصمتت قليلا قبل أن تردف: اخبريني..كيف تعرفت عليهن؟
ردت ليلى بلامبالاة: تعرفت عليهن بالمدرسة الثانوية..بالإضافة إلى إنهن يسكنن قريبا من هنا..
هزت أمل رأسها بتفهم فأكملت ليلى: لقد كنا أشهر الفتيات بمدرستنا الثانوية، الجميع كان يود مصادقتنا !
نظرت إليها أمل باهتمام وهي تقول: لماذا؟
ارتسمت على وجه ليلى ابتسامة وهي ترد بفخر: لأننا من عائلات ثرية طبعا..
ضحكت أمل ثم قالت: وهل أنت سعيدة لأن الناس تريد مصادقتك لأجل مالك فقط..لا أرى في هذا ما يُسعد..
عقدت ليلى حاجبيها، انزعجت من عبارة أمل هذه..
أكملت أمل بهدوء: قد تغيرت كثيرا يا ليلى..
مطت ليلى شفتيها وهي تقول: طبعا تغيرت..أنت تعرفين ليلى الطفلة..وتلك الطفلة قد اختفت منذ زمن..أنت أيضا تغيرت..الجميع يتغير خلال عشر سنوات..ثم..
قطعت ليلى عبارتها عندما سمعت طرقا على باب الغرفة فغمغمت: أخبرتهم أني لا أريد إزعاجا من أحد..
ثم رفعت صوتها وهي تقول: أدخل..
فُتح الباب..
كان خالد واقفا هناك، رمق أمل بنظرة خاطفة ثم التفتت لليلى: ظننتك لوحدك..
أمل فاجأتها رؤية خالد، تسارعت دقات قلبها، ولم تستطع إبعاد عينيها عنه، أما ليلى فقد ضحكت حين رأت المفاجأة التي بدت على وجه أمل ثم قالت بمرح: ماذا تريد..ليس هنا أي شخص غريب..
قال خالد وهو ينظر لأمل ببرود: أنا بغرفتي فوق..عندما تذهب صديقتك..تعالي..أريدك.
ثم أعاد غلق الباب دون أن ينتظر جواب ليلى..
كانت أمل تسمع صوت خطواته وهو يبتعد، والتفتت لليلى بنظرات مندهشة و متسائلة..
نظرت إليها ليلى ببلادة وهي تقول: ماذا..
أخذت أمل تشير بيدها للأعلى قائلة: إنه يقول غرفتي فوق..هل..هل..
ضحكت ليلى على ارتباك أمل ثم قالت بلهجتها المرحة: ألم أخبرك..عائلة عمي تسكن معنا بنفس المنزل..فالمنزل كبير كما ترين !
********************
>>> يــتـــبـــع>>>
|