الجزء الخـــامـس
-5-
وهـا قد جمــعتنـا الأيـام..
*********************
اقتربت أمل من تلك الفتاة الشقراء الجالسة بالصالة، وأخذت تدقق النظر في ملامحها، هذه الملامح ليست غريبة عليها أبدا، لكن ذاكرتها لا تسعفها لتتذكر..
قامت تلك الفتاة واقفة وابتسمت لأمل ثم قالت: كيف حالك يا أمل؟
بادلتها أمل الابتسامة وردت وهي لا تزال تحاول تذكر هذه الملامح: بخير..
زادت ابتسامة الفتاة اتساعا وهي تقول: ما بك.. ألم تعرفيني بعد؟
وأضافت حين رأت علامات الحيرة على وجه أمل: ألم أقل لك أنك ستنسين بسرعة ! لازلت أتذكر ردك يومها، قد قلت لي.. لن أنساك، وحينما أكبر سأبحث عنك !!
اتسعت عيون أمل ويبدو أن الدهشة عقدت لسانها للحظة..
لكنها رفعت يدها وهي تشير للفتاة أمامها ثم قالت بتلعثم: ليلى !؟
ضحكت ليلى و عانقت أمل بقوة و هي تقول: أجل ليلى..كما ترين لم تبحثي عنها..فبحثت عنك.
أبعدتها أمل عنها قليلا وهي تتفحص ملامحها بدهشة: لا أصدق..أقسمي أنك ليلى !!
تعالت ضحكات ليلى وأخذت تهز أمل من كتفيها وهي تقول: ما بك يا فتاة..هل تغيرتُ لهذه الدرجة..أقسم أني ليلى..هل تريدين مشاهدة بطاقة الهوية !
ضحكت أمل أخيرا، وعادت الفتاتان لعناق حار و طويل اختلط بضحكاتهما السعيدة، من كان يظن أن صديقتا الطفولة ستجتمعان ثانية بعد فراق دام لعشر سنوات..
***************
كانت سلمى جالسة على مائدة العشاء مع أحمد، الذي عاد من عمله منهكا وجائعا ،كان يتناول طعامه بنهم، ولم يلحظ أن سلمى لم تلمس شيئا من الطعام،واكتفت بمراقبته وهو يأكل، كانت تشعر بحنين لأهلها، اشتاقت لوالدتها ووالدها، لسامي و مشاجراتها الدائمة معه، لأمل وللأوقات المرحة التي كانت تجمعهما سويا، اضطرت للابتعاد عنهم جميعا لتكون بقربه، بقرب أحمد،هي الآن تعيش حلمها، فهذا هو الرجل الذي اختاره قلبها لتعيش العمر بجانبه،هذا الرجل هو حلمها، فلم إذن هذا الحزن الذي يكتنفها، وما هذا الحنين الشديد للأهل الذي هاجمها، وأصبح يحرمها من الاستمتاع باللحظات التي تعيشها بجانب أحمد..
وأحمد..هو يفعل كل ما بوسعه ليجعل حياتها سعيدة، لا يبخل بأي شيء في سبيل رؤية نظرتها السعيدة و ابتسامتها، فما بها إذا..
انتفضت سلمى وتوقف سيل أفكارها المتضاربة، حين قال أحمد بصوت تعلوه نبرة قلق: سلمى..ما بك؟
حاولت سلمى أن تبتسم وهي تقول: لا شيء..
نظر إليها أحمد بشك ثم عاد يقول بقلق: لا..هناك شيء ما.. أنت لم تلمسي طعامك ..ثم ملامحك تبدو متعبة..هل أنت مريضة؟
قامت سلمى من الكرسي التي كانت تجلس عليه و رفعت صحنا عن المائدة، ثم اتجهت للمطبخ وهي تقول: لا يا أحمد لست مريضة، وليس بي أي شيء.. اطمئن..
اعتدل أحمد واقفا هو الآخر و أمسك بذراعها قبل أن تبتعد، وأخذ منها الصحن وأعاده للمائدة، ثم أمسك بيدها وحملها على أن تتبعه وهو يقول: تعالي..
جلس الاثنان على الأريكة، ثم قال أحمد بهدوء وهو ينظر مباشرة لعيني سلمى: سلمى..أنت لست على ما يرام..ولا أدري مع من ستتحدثين لو لم تتحدثي معي..أخبريني بما يشغلك..
حاولت سلمى أن تهرب بنظراتها بعيدا إلا أن احمد أمسك بذقنها وجعلها تنظر إليه ثم أضاف: أخبريني هل قمتُ بشيء ضايقك..
رفعت سلمى حاجبيها وقالت باستنكار: لا يا أحمد ما هذا الذي تقوله.. أنت تضايقني؟ !
تنهد أحمد بارتياح ثم قال: إذن ما بك؟
أطرقت سلمى برأسها وهي تقول: أخشى أن أخبرك فتفهم ما أقوله بشكل خاطئ..
عقد أحمد حاجبيه وقال : منذ متى أفهم الأمور بشكل خاطئ..هيا قولي ما بك؟
تنهدت سلمى ورفعت رأسها لتنظر إليه وهي تقول: كل ما هنالك أني..أني اشتقت لأهلي..لم أعد حتى أتصل بأمي كثيرا، فكلما اتصلت بها وسمعت صوتها يزيد حنيني إليهم..لم أكن أريد إخبارك خشية أن تظن أنك مقصر بحقي..أو أني لست سعيدة معك..
ربت أحمد على يدها بحنان ثم قال بابتسامة: لا يا سلمى..لن أظن هذا..وما يحدث لك هو شيء طبيعي، أنت لم تفارقي أهلك من قبل..
ثم حدجها بنظرة لوم وهو يضيف: لكني متضايق منك..كان يجب عليك أن تشاركيني أحاسيسك هذه..
قالت سلمى بابتسامة: لم أكن أود أن أقلقك فقط..
اعتدل أحمد واقفا وجعل سلمى تقف أيضا وهو يقول: هيا اذهبي و البسي شيئا مناسبا..سنخرج..
رفعت سلمى حاجبيها وقالت : نخرج ..بهذه الساعة المتأخرة..
هز أحمد رأسه وهو يقول: أجل..بهذه الساعة.. أنت يا عزيزتي بباريس..وهذه المدينة لا تفرق الليل من النهار..
ثم غمز بعينه وهو يضيف: ولربما نتسوق من أجلك قليلا..
ضحكت سلمى ثم قالت : أي تسوق بهذه الساعة..لن تكون هناك محلات مفتوحة..ثم أنت تكره التسوق معي..
تنهد أحمد ثم قال: ماذا أفعل..سأتعود ما دام التسوق يسعدك..
ضحكت سلمى وقالت: أتعلم ..أمل تقول أنها اشتاقت للتسوق معي..مع أنها كانت تتهرب من هذا دائما..غريبة هي الأشياء التي نشتاق إليها..
وغيرت نبرت صوتها لنبرة حزينة قبل أن تضيف : المسكينة صديقتها الوحيدة تركتها..
ابتسم أحمد قائلا:ستعتاد على غيابك.. و ستجد صديقة غيرك، فالأيام تعوضنا عن ما نفقده دائما..
عقدت سلمى حاجبيها ثم قالت باستنكار: لا..أنت لا تعرف أمل هي لا توطد علاقاتها مع الناس بسهولة..وبالتأكيد لن تجد صديقة تعوضها عني و تنسيها إياي.. مهما حدث..
*********
|