أوّلا وقبل البدء أذكّركم بأنّ هذه الرّسالة قد استوحيتها فكرة من رسالة كنت قد قرأتها وأعجبتني,ووقعت من قلبي الموقع الحسن,فأردت أن أقدمها لكم بحلة أرجو أن تعجبكم
خرجت في بعض أيّامي متفرّجا وعلى الرّياض الأنيقة معرّجا,ولي طبيعة تصبو إلى زمن الرّبيع وتتشوّف إلى النّبات المريع ,أجد من نفسي نشاطا في أيّامه,ويهيجني نشر رنده وخزامه,وأبتهج ببانه وعراره.
ولم يكن عندي إذ ذاك باعث غرام,وليس لي همّ في غلامة أو غلام,لا سبيل عليّ لسلطان البطالة,ولا طريق على قلبي لغزال,ولو كان كالغزالة.
أعجب ممّن يهيم وجدا,وأستغرب متى شكا عاشق هجرا وصدّا,وأسفّه رأي قيس وعروة بن حزام,وأعدّ ما نقل من أخبارهم زورا ومينا.
فبينما أنا أروح مسرّحا طرفي بين الرّياض,وسارحا بطرفي في تلك الربا والغياض,إذ بدا لي سرب نساء,كالضّباء سوانح,وفي تلك الحدائق سوارح,تبدو عليهنّ روعة الجمال,وترى فيهنّ أبهة الجلال.
فاتبعتهنّ نضرة المرتاد,ونسيت ما تجلب العين على الفؤاد.
فبدت لي منهنّ فتاة كأنّها مهاة,تسفر عن وجه بديع الجمال,وتمشي فتخجل الأغصان في الميل والإعتدال,ترنو بألحاظ ريم,وتبسم عن ذرّ نظيم.كأنّ محيّاها بدر داجية أو شمس سماء مصحيّة,قد حار فيها الجمال,وضرجته حركات الدّلال.
فدنوت من ذلك السّرب,وأنا ذاهل اللبّ,معنى بشواغل الحبّ,فقلت وقد أنطق الهوى لساني,وقيّد الغرام جنابي
حيّا الله هذه الوجوه النّواضر,والمحاسن التي هي شرك النّفوس وقيد النّواظر,أما ترثون لقتيل غرام,وأسير هيام,وحليف سقام,وصاحب دموع سجام؟؟؟
فانبرت من بينهنّ تلك الضّبية الأدماء,والغادة الحوراء,واسطة العقد وفريدته,ودمية القصر وخريدته,وقالت
وأنت حيّا الله دارك ,وأعلى منارك,وأكرم إيرادك وأصدارك,قد سقت إلى نفسك تعبا,وحملتها بالنّظر إلينا نصبا,أما علمت أنّ دم قتيل الهوى مباح,وأنّه لا حرج على قاتله ولا جناح.
فدهشت من فصاحة مقالها,وسحرتني بألفاظها وجمالها, وأخذت أجاذبها أطراف الحديث,وقد علمت أنّها المقصودة بالكلام,المهدية إلى حرّ الشّوق والغرام,ومن القلوب على القلوب شواهد صادقة,والعين تعرف من عيني محدّثها صحّة الموافقة.
وقلت يا أخت الغزالة والغزال,وثالثة الشّمس والهلال,أفحمت لساني عن المقال,من أين لربّات الحجال شقائق فحول الرّجال؟وأنّى لهذه الشّمس المضيّة حدّة هذه الفصاحة والألمعيّة؟
فقالت وقد خفرها الخجل,وورد منها مواقع القبل أمثلي يقعقع له بالشّنان,أم تظنّ عقلي من عقول النّسوان,ما قدر كلامي ولو كان ذرّا,وموقع بياني ولو استحال سحرا,عند من أبان في المقال عن حقيقة السّحر الحلال,فأنت أنت في الجمال والكمال,وعذوبة الألفاظ وحلاوة الدّلال.
فقلت والذي أطلع في بروج اعتدال القدود شموس المحاسن والجمال,وزيّن أغصان القدود برمّان النّهود,ورياض الوجوه بنرجس اللحاظ وورد الخدود,وألّف بين ما نظم في الثّغور وقلائد النّحور,أئنّك لأملح من شمس,وافصح من قسّ,وأنور من بدر,وأغزر من بحر,واضوء من نهار,وأجرى الفاظا من صيّب مدرار.
وشكوت إليها غلبة الهوى,وموجبات الجوى,والخوف من عادية النّوى,وطلبت الدّواء
فقالت دع وصفي بما لا يصدّقه وهمي وحدسي,ولا يثبت علمه في خيالي وحسّي,فلست ممّن يغرّ بالألفاظ المزخرفة,وينخدع بالأسجاع المصفّفة,حتّى أستعلم أخبارك, وأقتصّ آثارك,وأعلم أحوالك,وأرود مرادك فأعلم مرادك.
وهذا النّهار قد ذهب إلاّ القليل,والشّمس قد جنحت إلى الأصيل,ولم يبق إلاّ الرّحيل,وميعادنا بمثل اليوم في هذا المكان.
ونسلت إلى صواحبها ,وهي تمشي وتلتفت,وقد سلبت منّي القلب وما اكتفت.فرعدت راعدة أيقضتني من المنام,فانتبهت وبقي الصّوت يقول في ذهني
ميعادنا بمثل اليوم في هذا المكان..