لطالما راودني شعور أن مجتمعاتنا التربوية العربية (أقل ما تشبه به هو حبل المشنقة الإنكليزي). فهي مجتمعات صحَت على إرث أثقل من برجي التجارة العالميين قبل 2001.
ولطالما يرد الى مسامعي في كل حديث نقدي أو إشارة إلى تخلف ما أو خطأ في مكان ما يقولون لك لماذا أنت متشائم ولماذا تنظر للنصف الفارغ فقط من (البطيخة) عفوا من الكأس!!!!
عزيزي القارئ ان كنا سنتحدث عن النصفين الفارغ والملآن سويا في مقال واحد فإن صفحات الجرائد لن تكفينا فلندع النصف الملآن للصحف التي قضت نصف عمرها بالمديح الأعمى لكل الاوضاع السائدة والذي لا تجده الا في نشرات الاخبار أو النشرة الاقتصادية حيث أن الأمور ولا أحلى (من هيك). وكله تمام كأننا في السويد وفي أسوأ الحالات في سويسرا !!!!
عذرا !!!! ولكن اللامبالاة بشكل عام أمر لا يحتمل ... فكيف اذن حينما تكون في حق فلذات أكبادنا !!
جرت العادة منذ أن بدأت أعمل في مجال الاختصاصي النفسي أن نقوم نحن فريق الاختصاصيين النفسيين بتقييم القدرات العقلية للطلبة المرشحين لفصول التربية الخاصة .. ذلك التقييم الذي يكون وفق معايير وضوابط محددة مسبقا من قبل ادارة الرعاية النفسية .. معايير نحاول جاهدين الالتزام بتنفيذها حرصا منا على دقة التشخيص لتلك الحالات .. وعليه تترتب مصداقية قرار الحاق تلك الحالات بفصول التربية الخاصة ...
لكن .. حينما تواجه تربويون لا يدركون قيمة قرار الحاق الطالب بفصل التربية الخاصة .. هنا تكمن الكارثة !!!!
واجهت اليوم أحد هذه المواقف التي جعلتني أحزن وبشدة لأن مصائر أبنائنا أصبحت معلقة بيد هكذا تربويون !!
فكمنذ أكثر من اسبوعين قمت بزيارة بعض المدارس الابتدائية وكعادة مايجرى في أول كل سنة .. قابلت الاختصاصية الاجتماعية وسلمتها نموذج تقرير دراسي لتقييم الطالب المرشح لفصل التربية الخاصة من طرف مدرسة الصف التي ارتأت تحويله الينا ...
أخذت الاختصاصية الاجتماعية التقرير ووعدت بتوزيعه على المعلمات وأني سأجده جاهزا في زيارتي المقبلة ..
مرت الاسابيع وذهبت اليوم في زيارة لتشخيص أولئك الطلاب ... فماذا كان ينتظرني ؟؟
أولا .. التقارير الدراسية أهملت تماما .. ومع ذلك تم ترشيح أعداد كبيرة من الطلاب !! على أي أساس تم ترشيحهم ؟؟ الله أعلم !!
ثانيا .. فوجئت بأن الطلبة ساقتهم مدرساتهم في طابور ووقفوا عند باب مكتبي ينتظرون الاختبار .. أمر غريب حقا .. شعرت أنهم سيقوا الي كقطيع من الغنم .. وهنا قالت احدى الاداريات ( اختبريهم يادكتورة وان ماحصلتي بينهم واحد يصلح للتربية الخاصة سنحضر لك غيرهم !!!!!!! )
كلام صعقني حقا ... هذا معناه أن اختيار الطلاب كان عشوائيا تماما ... المهم أن يقال أن هذه المدرسة بها فصل تربية خاصة !!!
لكن من سيدخل الصف ... هذا غير مهم !! يستحق أم لا يستحق !! غيييييير مهم !!
الاشد مرارة أني لم أجد تقرير دراسة حالة اجتماعي واحد لهذا الكم الهائل من الطلبة !!
رغم أن القاعدة تقول ... لا يحول الطالب للاختصاصي النفسي لقياس قدراته العقلية , الا حين توفر ..
تقرير دراسي تملئه مدرسة الفصل لتبين فيه سبب تحويل الحالة .
دراسة حالة اجتماعية تبين الاوضاع الاسرية للطالب .
تقرير طبي ان كانت الحالة تشكو اضطرابا معينا .
موافقة ولي أمر الطالب على الحاق ابنه بفصول التربية الخاصة .
ولا ورقة من تلك الاوراق كانت موجودة .. فقط الطلبة هم من كانوا حاضرين .. وحينما طلبت على الاقل التقرير الدراسي لكل طالب .. أجابت الاختصاصية الاجتماعية .. تقريرك دقيق التفاصيل والمعلمات رفضن ملئه لانهن لا يستطعن تقييم الطالب بهذه الدقة الموجودة في التقرير .. !!!
فقلت لها .. ان كانت المعلمات عجزن عن ملئ التقرير فكيف اذن استطعن الحكم على أولئك الطلبه وأخرجوهم من الفصول العادية لالحاقهم بالفصول الخاصة ؟؟
قالت .. لازم يحددوا بعض الطلبة والا سيبقى صف التربية الخاصة فارغا وعليه المعلمة المسئولة عن ذلك الفصل لن تجد لها عملا في هذه المدرسة !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
لا تعليق !!!!
لا تعليق !!!!
لا تعليق !!!
أولا .. بالله عليكم .. أهذا رد لشخص تربوي يحمل أمانة أولئك الصغار .. الذين لا يملكون من أمرهم شيئا ؟؟
ثانيا .. هل وصل الحال بادراتنا أن تحول الطلبة لفصول التربية الخاصة .. تحويلا قصد اسقاط واجب شرعي لا عن استحقاق أولئك الطلبة لتلك الرعاية الخاصة ؟؟؟
ثالثا .. هل أصبحنا نحول طلابنا لأجل ملء الصفوف ولاجل توفير عمل لمدرس أو مدرسة فقط !!!!
يالله !!!!
ترى من منا يقبل لابنه هكذا حال ؟؟
لماذا لا نتعامل مع كل الاطفال بدرجات الحب والاهتمام ذاتها تلك التي نوليها لأبنائنا !!
لماذا مصير محمد أو ماجد أو حمد أمر لا يعني المعلمة أو الادارية فتتعامل معه بلا مبالاة .. بينما ان كان الامر يخص أحد ابنائها .. فتوليه من الرعاية والاهتمام مايفوق الوصف ..
لماذا اللامبالاة مع صغار لاحول لهم ولا قوة .. فلا أرى أمامي الااناس تود تحريكهم كقطع الشطرنج لتحقيق الربح لطرف أو آخر !!!
أمر يدمي الروح ويبكي القلب .. حينما أرى هؤلاء الصغار .. وهم زهور لم تتفتح بعد .. لم يتجاوزوا الخامسة أو السادسة من العمر ... أراهم ضحايا لمقصلة اللامبالاة من قبل المعلمة أو الاسرة ...
لامبالاة سيدفع ثمنها جيل قادم ... ولن أبلغ ان قلت أن الثمن سيكون باهظا .. باهظا جدا ..
دمتـــــــــــم بــــــــــــــــــود
التعديل الأخير تم بواسطة : دكتورة نفسية بتاريخ 10-04-2007 الساعة 10:50 PM.