الهيئة العليا لمكافحة الفساد كشفت وجود مخالفات مالية
ترميم قلعة القاهرة بتعز..مشروع كبيرخارج الموازنة

عبدالرزاق البريهي
قلعة القاهرة بتعز معلم أثري بارز، بعد تعرضه لأضرار استدعت تنفيذ مشروع لاعادة ترميمه وتأهيله تحول إلى قضية مثار جدل.. خاصة وأن تقريراً للهيئة العليا لمكافحة الفساد ـ صدر مؤخراً ـ أشار إلى ارتكاب مخالفات عديدة مصاحبة لمشروع الترميم كبدت خزينة الدولة أموالاً طائلة.
أمين عام المجلس المحلي بمحافظة تعز محمد أحمد الحاج وصف تقرير الهيئة بخصوص قلعة قاهرة تعز ب«المبالغ» معتبراً أن ماحدث قصور في اجراءات المشروع القانونية التي تحدث عن أسبابها في التحقيق التالي:
في تقرير للهيئة رفعته مؤخراً إلى رئيس الجمهورية ومجلس النواب تضمن استكمال التحقيق والتحري بشأن خمس قضايا، تتعلق باختلالات وتجاوزات مالية من بين هذه القضايا الخمس قضية تتعلق بمشروع ترميم قلعة القاهرة بتعز.
وتضمنت تلك المخالفات والوقائع التي تندرج بحسب تقرير الهيئة ضمن صور وجرائم الفساد المنصوص عليها في المادة«03» من قانون مكافحة الفساد عدم مراعاة أحكام قانون المناقصات والقوانين والأنظمة المالية من كافة النواحي الاجرائية والموضوعية في جميع مراحل تنفيذ المشروع.
فبحسب التقرير الدوري «فقد تم التعاقد على تنفيذ المشروع في عام 2002م بموجب الأسعار المقدمة من المقاول التي يتجاوز معظمها الأسعار السائدة في السوق في عام 7002م إلى جانب عدم وجود مخططات وتصاميم فنية وهندسية ومواصفات وكميات محددة وغياب كلي للاشراف على تنفيذ المشروع من قبل المهندسين والمختصين، فضلاً عن منح المقاول أسعاراً تعويضية وفوارق أسعار مواصفات فنية وكلفة نقل ومخاطر دون وجه حق.
وأشار التقرير إلى أن هيئة مكافحة الفساد وجهت بايقاف صرف أية مبالغ اضافية للمقاول على ذمة التحقيق في القضية، وكلفت فريقاً من المتخصصين لتقييم الأعمال المنجزة تمهيداً لمحاسبة المقاول بمستحقه الفعلي لما تم عمله، كما طلبت من الجهازالمركزي للرقابة والمحاسبة تكليف فرع الجهاز بأعمال التدقيق المحاسبي.
خلل في الاجراءات
هذا التقرير أحدث ضجة مابين مؤيد له ومختلف مع اجراءات الهيئة فأمين عام المجلس المحلي بالمحافظة محمد أحمد الحاج أشار من جانبه إلى أنه لايوجد فساد في المشروع وإنما يوجد اختلال في الاجراءات التي تمت أثناء تنفيذ المشروع وقال:
إن قلعة القاهرة من أهم المعالم السياحية بالمحافظة ومايقال عنها من وجود فساد في مشروع اعادة تأهيلها كلام مبالغ فيه وليس صحيحاً، هناك اختلال في الاجراءات، اجراءات قانونية ليست مستوفاة، اجراءات يوجد فيها قصور، لكن أن نقول فساد، أنا شخصياً باعتباري قريباً ومتابعاً لما جرى، وماحدث ليس فساداً وإنما قصور في الاجراءات، المشروع رغم حجمه الكبير لايوجد له اعتماد في الموازنة حتى الآن لامحلياً ولامركزياً، ولم يدرج نهائياً في الموازنة.
الأصل عمل اجراءات قانونية واعتماد مبلغ لعملية تمويل المشروع ويتم اعلان مناقصة رسمياً.
وأضاف الحاج: ماحدث عبارة عن جهد شخصي من المحافظ السابق الذي بدأ بتنفيذ المشروع قبل ايجاد المجالس المحلية، وكانت بداية تمويل المشروع من رسوم التحسين والغرض احتضان الحجارة التي تتساقط على السكان تحت القلعة، والوقاية من أخطارها كانت البداية على هذا الأساس، لكن المشروع توسع وكان كلما أتى زائر قال جميل يجب توسعته حيث كانت تصرف مبالغ من المجلس المحي ثم تستعاد من صنعاء وهكذا لذا نحن نعتبر مشروع اعادة تأهيل القلعة مكسباً على الأقل حافظ على الآثار والمعالم الخاصة بالقلعة، قد تكون بعض الترميمات وخاصة التي تحت القلعة غير مطابقة لما كانت عليه لكنها تعتبر في النهاية مكسباً، ومعلماً تاريخياً، ومن أهم المعالم التاريخية والسياحية في المحافظة لاقى ارتياحاً كبيراً من قبل الزائرين.
وعد بنقل الحامية العسكرية
ويضيف الحاج: حالياً نحاول تكملة المشروع بحيث يتحول إلى معلم سياحي بمعنى الكلمة والأخ الرئيس وعد بنقل الحامية العسكرية الواقعة على رأس القلعة إلى مكان آخر في جبل صبر وبالتالي يصبح عبارة عن منطقة سياحية ومشروع استثماري ومتنفس للمدينة.
وأرجو من الاخوة في الهيئة العليا لمكافحة الفساد التي قالت بأنه قضية فساد أن تتأكد من العملية وتصويب الاجراء، وأنا على ثقة أنه سيتم ذلك في نهاية الأمر وفي الأخير نقول إن أي انجاز عظيم لابد من وجود سلبيات مصاحبة له.
عملية ترميم
وأضاف أمين عام المجلس المحلي بمحافظة تعز: فيما يتعلق بالرأي الآخر : إن أعمال الترميم غير مطابقة وماإلى ذلك، هذا الأمر قيل أنه عندما زار الفريق الأثري والهندسي المكلف بترميم قلعة القاهرة بحجة التابع لهيئة الآثار الذي قام بنزول ميداني لقلعة قاهرة تعز التاريخية، وذلك بغرض التعرف على طبيعة وآلية عملية الترميم التي جرت لها مؤخراً، وكذا التعرف على نوعية المواد المستخدمة في الترميم، وغيرها من الأشياء الفنية، لتلافي الأخطاء والاستفادة من تجربة قلعة قاهرة تعز.
أخطاء ومخالفات أثرية
رئيس الفريق الأخ أحمد سعد الروضي ـ مدير عام الآثار والمتاحف والمدن التاريخية بوزارة الثقافة قال:إنه تم ملاحظة بعض الأخطاء والمخالفات الأثرية أثناء زيارتهم للقلعة، من أبرزها ازدواجية العمل الترميمي وغير المتخصص، واسناد عملية الترميم لمقاولين وعمال أهملوا بعض المعالم التاريخية في القلعة وطمسوها، وأدخلوا استحداثات جديدة على القلعة التاريخية، إلى جانب استخدام مواد وأحجار غير مطابقة للمواصفات الأثرية والتاريخية للقلعة.
الروضي أكد أنه وفريقه سيعملون على تلافي تلك الأخطاء التي يرجعها إلى ازدواجية العمل وقيام مقاولين وعمال غير مختصين بترميم قلاع تاريخية وأثرية، وذلك من أجل الحفاظ على الطابع المعماري القديم لقلعة قاهرة حجة وضمان عدم تشويه المعالم الأثرية والتاريخية التي تحتويها القلعة، كونها ستسهم من خلال تحويلها إلى متحف تاريخي في إبراز معالم التراث الحضاري والتاريخي للمحافظة.
يُذكر أن قلعة القاهرة بحجة من أبرز المواقع السياحية في المحافظة، ويرجع تاريخ التأسيس الأول لها إلى بداية «القرن الحادي عشر الميلادي» أثناء فترة حكم الدولة الصليحية، أما تاريخ البناء الحالي فيعود إلى«القرن السادس عشر الميلادي» خلال الحكم العثماني الأول لليمن، وتطل قلعة القاهرة على مدينة حجة من الناحية الشرقية، وتعتبر حارسها وحاميها المنيع عبر التاريخ.
متنفس مهم
مدير عام الآثار بالمحافظة الأخ العزي مصلح اعتبر من جانبه أن عملية الترميم لقلعة القاهرة بتعز جعلت منها متنفساً مهماً لأبناء المدينة بعد أن كان شبه غير موجود.. وقال: أنا شخصياً مهما قيل من آراء وأقاويل أؤكد أن القلعة تعتبر متنفساً لمدينة تعز، لقد شهدتها قبل أعمال الترميم حيث كانت عبارة عن تلة من الدمار والخراب ، لكن اليوم الوضع تغير تماماً والجميع يشهد بذلك، حالياً القلعة وزنها السياحي والثقافي يختلف تماماً عما كانت عليه في السابق أي قبل اجراء عملية الترميم.
بدء المرحلة الثالثة
وحول المراحل السابقة وماتبقى من أعمال ترميم قال مدير عام الآثار: تم الانتهاء من المرحلتين الأولى والثانية وبدأ العمل في المرحلة الثالثة والأخيرة والتي تتمثل في ترميم الأسوار الخارجية للقلعة، ومن المقرر أن تنتهي أعمال الترميم بشكل نهائي في سبتمبر 0102م، وسيتم إن شاء الله الاحتفال بانتهاء مشروع الترميم ضمن احتفالات شعبنا بأعياده الوطنية، وقد تم الاعداد بمناسبة عمل عدد من المعارض أهمها معرض لكل ماتم الحصول عليه أثناء أعمال الترميم، ومعرض آخر لبعض القطع الأثرية المختارة الماضية أغلبها تعود لفترة بني رسول إبان حكمها في مدينة تعز.
لاتوجد أية مخالفات
ورداً على القول أن هناك مخالفات وتغيراً في بعض الملامح أثناء أعمال الترميم يؤكد العزي مصلح: بالنسبة للجزء الذي يشرف عليه مكتب الآثار لا توجد أية مخالفات حيث نعمل تحت اشراف الأخ شوقي أحمد هائل ـ رئيس لجنة التخطيط والتنمية، وبالنسبة لماقيل أن هناك مخالفات وفساداً في مشروع الترميم هذه المسألة نوقشت والهيئة العليا لمكافحة الفساد تجري التحقيقات اللازمة وعلى ضوئها سيتم اتخاذ الاجراءات وفقاً للقانون إذا وجد فساد أو أية مخالفات، وأدعو الجميع أن يعطي هذا المعلم السياحي حقه من الرعاية والاهتمام.
وقفة تاريخية
في حين تعتبر قلعة القاهرة بتعز أهم معلم تاريخي من معالم هذه المدينة، هذا المعلم هو حصن تعز الذي يمثل النواة الأولى للمدينة ويمثل التاج الموضوع على رأس ملكة الجمال ليزيد من هيبتها وجلالها.
موقع استراتيجي
تقع قلعة القاهرة في السفح الشمالي لجبل صبر، على مرتفع صخري يطل على المدينة في منطقة استراتيجية تقع بين حصن صبر وجبل التعكر وهذه المنطقة بموقعها الاستراتيجي والعسكري كانت تمثل حلقة وصل بين مدن المخاء والجند وعدن وجبا وزبيد والتعكر.
تكوينات القلعة
أما تكوينات القلعة فهي جزءان: الجزء الأول في شمالها الغربي ويسمى «عدينة»، وتعلوه«المغربة» ويوجد في«عدينة» حديقة وسد ماء وعدد من القصور والأبراج.
أما في «المغربة» فيوجد اضافة إلى القصور والأبراج عدد من مدافن الحبوب وخزانات المياه ومايزال بعضها قائماً حتى اليوم.
أما سور القلعة فقد تواصل مع سور تعز القديمة والذي كان له أربعة أبواب رئيسية وهي: الباب الكبير، باب الشيخ موسى، باب المداجر، وباب النصر.
وفق كل باب برج مخصص لحراس المدينة.. كما يوجد تحت البوابة الرئيسية للقلعة من جهة الجنوب منطقة «المؤيد» وتتكون من مدرسة بناها المؤيد في عام 207هـ، وقبة صغيرة وبركة وبقايا متنزه الملك المؤيد.
البدايات الأولى للقلعة
بالعودة إلى المراجع التاريخية لهذه القلعة فإن ماوجد عن تاريخ هذه القلعة ينحصر في مجموعة من النقوش وعدد من الشواهد الأثرية التي تم العثور عليها في القلعة وعدد من المواقع القريبة منها، وهي شواهد تتضمن تماثيل فخارية ورخامية ومباخر يعود تاريخها إلى الحقبة القتبانية، ومذابح من الحجر الكلسي وبقايا أحجار عليها كتابات بالخط المسند وأخرى باللغة الآرامية السامية التي يرجع تاريخها إلى القرن العاشر قبل الميلاد اضافة إلى بعض النقوش التي ذكر فيها الملك كرب آل وتر يهنعم، في القرن الـ3الميلادي، كذلك وجدت فصوص من العقيق وخاتم يحمل عنقوداً من العنب ونقشاً موجوداً في الباب الرئيسي للقلعة مكون من ستة أحرف منها أربعة حروف بالخط العربي والحرفان الآخران مازالا على حالهما بالحرف الآرامي وكل هذه الشواهد والمعطيات التاريخية ترجع تاريخ القلعة إلى عصور ماقبل الاسلام.
غير أن حديث التاريخ يظل بعيداً عن قلعة القاهرة حتى قيام الدولة الصليحية قبل نهاية العقد الثالث من القرن الخامس الهجري وتحديداً في235ـ934هـ الموافق لـ5401ـ8311 عندما بادر السلطان عبدالله بن محمد الصليحي شقيق الملك علب ـ المؤسس ـ ببناء قلعة القاهرة وأقر ذلك المكرم أحمد بن علي الصليحي عند توليه الحصن ثم جاء أخوه أبوالفتوح بن الوليد الحميري ليتولى قيادة الحصن باعتباره موقعاً شديد الأهمية.
وهكذا تمشياً مع حركة النهضة العمرانية التي شهدتها المدينة خلال الحقبة الصليحية والحقبة الايوبية ثم الحقبة الرسولية والطاهرية. والمملوس أن الحصن يلعب أبرز الأدوار في نشأة وبناء المدينة العتيدة حتى بدايات الحقبة الرسولية.. وإذا كان السبق في بناء الحصن للسلطان عبدالله محمد الصليحي فقد كان السبق أيضاً للأيوبيين في بناء المدينة عندما وصل شمس الدولة توران شاه أخو الناصر صلاح الدين الأيوبي إلى اليمن سنة 965هـ الموافق 3711م ويتخذها عاصمة لملكه، لكنه لم يلبث أن غادر بعد ثلاثة أعوام ليحل مكانه أخوه المعز طغتكين الذي شرع في بناء أول المدارس في تعز ثم انتقال المدينة نهائياً إلى بني رسول عام 626هـ، حتى أن الملك المظفر خطا خطواته الأولى في اتخاذها عاصمة لدولته التي وصلت إلى عز ازدهار وقوة سلطانها ليمتد نفوذها إلى أرض الحجاز. وقد وصفها المؤرخون والرحالة بأنها قلعة عظيمة وجميلة من قلاع اليمن وأبراج شاهقة آية في الجمال والقوة، منهم ابن بطوطة وياقوت الحموي وادوار فيكودي والكابتن الهولندي بترمان وغيرهم الكثير من الرحالة والمؤرخين القدماء.
إعادة الترميم
تدهورت القلعة في فترات متلاحقة بسبب الاضطرابات خاصة بعد انتهاء الحقبة الرسولية على أيدي المماليك ثم العثمانيين ثم تهدمت قصورها خلال الحرب الطاحنة بين الإمام المنصور حسين بن المتوكل وأخيه أحمد عامل تعز ولم تحسم هذه الحرب إلابعد وفاة المنصور حسين على يد ابنه الإمام المهدي عباس لينتزعها المصريون عام 0481م ثم سقطت بيد الأتراك مرة أخرى 9781م ثم ازدهرت المدينة إبان حكم سيف الإسلام الإمام أحمد بن الإمام يحيى عام 8391 إلى أن أعيد ترميمها في مطلع القرن الـ12م بلفتة كريمة من الأخ محافظ تعز الأسبق أحمد عبدالله الحجري الذي ترك بصمات واضحة في ترميم القلعة وبجهد ذاتي وهذه نقطة تحسب للأخ الحجري في هذا المضمار.. وبالتحديد فقد بدأ العمل في الترميم في مطلع العام 0002 وماتزال أعمال الترميم جارية حتى اليوم.