صالح البيضانى
كاتب وصحفى من اليمن
تاريخ الشعوب وحضاراتها أكثر الأشياء الغابرة حضورا. قد نقترب منها إلى حد ما ولكننا لا نستطيع إعادتها. وثمة أمجاد غابرة تشعرنا بالحنين لزمننا الفائت. إنه التاريخ الذى نستقرء سطوره المضيئة من خلال الآثار التى خلفها الأجداد.
آثارنا إذن هى نافذتنا الوحيدة على أمجادنا. لذلك نقف اليوم أمامها وقفة قارئ لما تركت هذه الآثار بين السطور من عبر وشواهد. إنها السياحة فى دروب التاريخ.. والاقتراب حد التماهى من الذاكرة المستحيلة،هنا حيث يلتحم المكان بالزمان فى لحظة صمت تتوقف عندها عقارب الساعة.. لنطل على الماضى الموغل فى القدم. كشهود على ماض تليد وحضارة عريقة..
والمتحف الوطنى بصنعاء، أكبر مخزن للتاريخ والذاكرة اليمنية. تم تأسيسه فى العام 1971 فيما كان يسمى بدار الشكر قبل أن ينتقل المتحف إلى مكانه الحالى فى "دار السعادة" أحد قصور العهد الإمامى فى اليمن. وتم افتتاح المتحف رسميا فى الثانى عشر من أكتوبر-تشرين الأول من العام 1987.
يحتوى المتحف اليوم على أكثر من خمس وعشرين ألف قطعة أثرية تعود إلى عصور ماقبل التاريخ وعصور الحضارات اليمنية القديمة والحضارة الإسلامية.
وتم إعادة افتتاح المتحف الوطنى أمام الزوار بعد إغلاق قسرى استمر لأكثر من ثلاث سنوات تقريبا تم خلالها استكمال أكبر عملية ترميم وصيانة للمتحف منذ تأسيسه وحتى اليوم حيث شمل الترميم إنشاء مخزن محكم لحفظ القطع الأثرية تحت الأرض. ويعتبر المتحف الأكبر فى بلادنا من بين حوالى 18 متحفا ثانويا فى مختلف المحافظات.
كما يعد المتحف الوطنى الوجهة الأولى للسائحين والباحثين والزوار، حيث تشير الإحصاءات إلى أن عدد زوار المتحف قبل إغلاقه قد بلغت أكثر من 18 ألف زائر يمنى فى النصف الأول من العام 2002 إضافة إلى أكثر من 8000 زائرأجنبي.
عظمة وحفاوة استقبال
منذ الخطوات الأولى وأنت تجتاز البوابة الرئيسية للمتحف تشعر بعظمة التاريخ اليمني.. عند المدخل تماما يقف تمثالا الملكين ذمار على يهبر وابنه ثاران يهنعم ملكا سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات وهما يلوحان بيديهما وكأنهما يرحبان بالزائر لشواهد حضارة كانا أحد صناعها فى التاريخ اليمنى القديم. فقد حكم الملكين اليمن فى مطلع القرن الرابع الميلادي.
التمثالان من أهم مقتنيات المتحف الوطنى بصنعاء وقد عثر عليهما فى النخلة الحمراء بالحدأ فى محافظة ذمار فى العام 1931 بواسطة حفرية شارك فيها الجغرافى الألمانى فون فيسمان وعند ترميم التمثالين فى معهد "ماينز" بألمانيا تبين وجود نقش كتب بالمسند على صدر التمثالين يفيد معناه أنهما أهديا إلى قبيلة "آل ذرانح" لوضعهما فى بهو القصر الخاص بتلك القبيلة.ٍ
لازال التمثالان اليوم و بعد مرور أكثر من سبعة عقود على العثور عليهما مصدر إلهام لعلماء الآثار من مختلف أصقاع العالم نضرا لأهميتهما الفنية كونهما تحفتين نادرتين صنعتا من البرونز بطريقة فائقة الدقة والجمال.
أما الأهمية التاريخية للتمثالين فتعود لأهمية صاحبى التمثالين.. حيث يسجل التاريخ أن ثاران يهنعم هو أول من قام بترميم وصيانة سد مأرب عند تعرضه للتصدع فى منتصف القرن الرابع الميلادي.
التمثالان اللذان يقفان بارتفاع يقارب المتران ونصف المتر تم صنعهما كما يقول الخبراء بطريقة صهر الشمع بواسطة قالب سالب مساعد بحيث يتم تشكيل القالب من قبل الصانع بصورة ملائمة ومن ثم تغليفه وتفصيل أجزائه وإعادة تركيبها وطليها بعد ذلك بطبقة من الشمع قد تعادل قوة جدار البرونز فيما بعد،ثم يملأ القالب السالب المساعد بطبقة من الشمع ويبعد بعد ذلك لتملأ الجهة الخارجية للشمع التى تظهر الشكل والغلاف الخارجي،وبعد التجفيف والتسخين يتم صهر الشمع وشوى القالب ومن ثم صب البرونز.. يتم بعد ذلك تكسير أجزاء القالب..وقد كانت هذه الطريقة فى صناعة التماثيل البرونزية هى ذاتها السائدة فى الحضارات اليونانية والرومانية القديمة.
حيث توجد العديد من التماثيل المماثلة لتمثالى الملكين اليمنيين ذمار يهبر وثاران يهنعم فى متاحف أوروبا كمتحف اللوفر بباريس ومتحف يترمن بروما.
وقد وجد على الركبة اليسرى لتمثال الملك الابن كتابة باللغة اليونانية باسم "فوكاس" وهو نحات رومانى عاش فى اليمن وشارك فى صنع التمثالين.
قاعات وعصور
التجول بين أقسام المتحف كالسفر بواسطة آلة الزمن التى تتحدث عنها قصص الخيال العلمي. هنا ثمة عصور مختلفة لتاريخ واحد تفصلنا عنه ألاف السنين وبضع خطوات، يمكن للزائر أن يشم رائحة البخور واللبان المنبعثة من ظهور القوافل التى كانت تسلك طريق البخور فى رحلتها لمختلف بقاع الأرض.
كما يمكن للزائر أن يتلمس بعينيه تحفة يمنية تمت صناعتها بحرفية ودقة لا توصف.
فى المتحف الوطنى يتم عرض المقتنيات بعدة أساليب فى العرض تسهل للزائر الانتقال من عصر إلى آخر، ومن قسم إلى آخر، حيث يعتمد الأسلوب الأول على العرض الزمنى لفترة حضارات ماقبل الإسلام حيث تم إعداد قاعات العرض بتسلسل زمنى من خلال عرض كل حضارة فى قاعة منفردة، كقاعة حضارة دولة معين ومملكة سبا ودولة حمير ومملكة حضرموت.. إضافة إلى القاعة الخاصة بالهدايا المقدمة من رئيس الجمهورية.
أما للفترة الإسلامية فقد تم اعتماد أسلوب العرض النوعى حيث تعرض كل مجموعة من ذات النوع فى قاعة واحدة وإن اختلف زمنها وتاريخها مثل قاعة المخطوطات والمسكوكات والمعادن إضافة إلى قاعة الإنارة التى يتم فيها عرض وسائل الإنارة المستخدمة عبر التاريخ اليمنى القديم.
أما آخر وسائل العرض فى المتحف فتعتمد على العرض الموضوعى وقد تم استخدام هذا النوع من العرض فى قسم التراث الشعبى حيث تم ترتيب المعروضات بشكل موضوعات كالزراعة والنحل وصناعة النيل والسلال والمواد الحجرية والنجارة والأزياء إضافة إلى العرس الصنعانى وصناعة الفريد والبسط واللحاف التهامى وغيرها من فنون الحرف التقليدية الأصيلة فى اليمن.
مقتنيات نادرة
يوما بعد آخر، تزداد أعداد القطع الأثرية فى المتحف الوطنى وتتنوع من حيث الأهمية والتاريخ وهو الأمر الذى دفعنا لنسأل عن سر هذا السيل المتدفق الذى لا ينضب من الآثار اليمنية، فما هى مصادر هذا الزخم التاريخي؟
يقول عبدالعزيز الجندارى أمين عام المتحف أن هناك ثلاثة مصادر رئيسية لتزويد المتحف بالقطع الأثرية وتعد الهيئة العامة للآثار ووزارة الثقافة من أهم تلك المصادر من خلال لجنة الاقتناء حيث يتم شراء القطع الأثرية التى يعثر عليها المواطنون مقابل منحهم مكافأة مالية مناسبة تحددها اللجنة.
أما المصدر الثاني، فيمثل فى القطع التى يتم مصادرتها من المنافذ البرية والبحرية والجوية لبلادنا. أما المصدر الثالث فيأتى عن طريق الاهداءات التى يقدمها المواطنون للمتحف من القطع التى عثروا عليها والمملوكة لهم.
ويقول الجندارى أن رئيس الجمهورية يعد من اكبر واهم من قدموا القطع الثرية للمتحف والتى تعد من أبرزها 40 قطعة برونزية هامة أهداها الرئيس للمتحف وهى عبارة عن رؤوس جنابى شبيهة بما يستخدم اليوم مع وجود فارق بسيط يتمثل فى أن الرأس متصل مع النصل من نفس مادة البرونز مع تطعيم الوسط بالعاج.
وعن أبرز المقتنيات فى المتحف يضيف الجندارى الذى يؤكد على أهمية كل قطعة أثرية فى المتحف: "تعد المجموعة الأثرية التى تم العثور عليها فى "خربة همدان" من أبرز وأثمن مقتنيات المتحف الوطنى بصنعاء، حيث تتكون هذه المجموعة من عدد من القطع النادرة المتمثلة فى القلادات والأساور والخواتم والأقراط إضافة إلى الأختام المصنوعة من العقيق والتى تعود للقرن الأول قبل الميلاد.. حيث تعطى هذه القطع صورة للواقع الاقتصادى والاجتماعى فى حقبة معينة من تاريخ اليمن القديم، إضافة إلى آلاف الأعواد من عسيب النخيل،التى أماطت اللثام عن فترة هامة من فترات التاريخ اليمنى القديم وكشفت عن أسلوب نادر فى الكتابة والمراسلات فى الماضي".