أبطاله دبلوماسيون ومستثمرون ونافذون
تهريب الآثار.. بيع للحضارات
توفيق السامعي
لم يعهد عن أية آثار عربية أو غيرها ما تعهده الآثار اليمنية من السلب والنهب والتخريب والتهريب، والتنقيب العشوائي حتى غدا مجال الآثار اليمنية مجالاً مغرياً لعصابات التهريب والاتجار بها والثراء السريع، حتى أغرى ضعف الرقابة والمحاسبة من قبل الدولة اليمنية بحكوماتها المتعاقبة، تجار المغامرات والتهريب الأثري في الشرق والغرب .
بدايات عمليات التهريب
يؤكد المهتمون والخبراء بأن بداية نهب التراث اليمني وخصوصاً المخطوطات تعود إلى القرن السابع عشر حين أخذت بعثة «نيبور» الدنماركية التي ورد ذكرها في كتاب «من كوبنهاجن إلى صنعاء» 70 صندوقاً كلها بداخلها مخطوطات يمنية من مختلف العلوم ولم يعرف أو يكتب عنها شيئاً.
كما أن العثمانيين إبان حكمهم لليمن ساهموا في أخذ ونهب جانب من الآثار اليمنية خاصة المخطوطات منها، والتي تتواجد في متحف “الاستانة” في اسطنبول، وليس أدل من ذلك تلك الوثائق التي زودت بها تركيا اليمن في مقاضاتها إريتريا أمام المحكمة الدولية بشأن جزر حنيش، والتي بفضلها عادت جزر حنيش لليمن.
كما شهد القرنان الـ19 والـ20 عمليات تهريب واسعة للمخطوطات اليمنية التي أصبحت اليوم في مكتبات أوربية وآسيوية وعربية.
ويشير بعض الكتاب المختصين في هذا الجانب إلى أن بعض الفرق الاستكشافية في التنقيب عن الآثار وخاصة في مارب كتلك التي جاءت في بداية الخمسينيات من القرن الماضي التي أبرمت بعض الاتفاقيات في هذا المجال مع الإمام أحمد كان لها الدور الأكبر في تهريب كثير من القطع الأثرية والاتجار بها وبيعها لمتاحف أوروبا، كما تذكر كلودي فايان الفرنسية في كتابها “كنت طبيبة في اليمن”.
وتشير الإحصائيات المتوفرة لدى دار المخطوطات اليمنية إلى أن نحو عشرة آلاف مخطوطة يمنية موجودة في مكتبة الميروزيانا الايطالية، وأكثر من ثلاثة آلاف مخطوطة في مكتبة الكونجرس بالولايات المتحدة الأميركية، و2000 مخطوطة في مكتبة المتحف البريطاني، وآلاف أخرى في مكتبات وأرشيفات اسبانيا وفرنسا وروسيا وهولندا وتركيا وبعض الدول العربية.
التستر خلف الاستثمار والمراكز الثقافية
بحسب معلومات موثقة؛ فإن هناك بعض الشركات الأجنبية تعمل عملاً مزدوجاً في استثماراتها ظاهراً وباطناً، ففي الظاهر أنها شركات استثمارية سواء نفطية أم استكشافية للتنقيب عن الآثار، وباطنا لها من الخبراء الآثاريين وخبراء التهريب تقتصر مهماتهم على هذا الجانب، إذ بحسب بيانات رسمية مستقاة من واقع محاضر ضبط رسمية، فقد تم خلال الشهور الأربعة الأخيرة ضبط خمس محاولات تهريب آثار، جميع المتهمين فيها من خبراء شركات النفط العاملة في اليمن.
ووفقاً لتلك المحاضر فإن المحاولة الأولى كانت في بداية العام بتاريخ 24 يناير، حيث تم ضبط خبير ايطالي في مجال الغاز بحوزته ستة تماثيل، إلى جانب ضبط خبير ايطالي آخر بتاريخ 23 مارس وبحوزته 17 لوحاً حجرياً وستة تماثيل برونزية، و12 من رؤوس السهام و ثلاث تمائم نحاسية. وفي الرابعة تم ضبط خبير فرنسي بتاريخ 26 مارس بحوزته تماثيل برونزية و سهام .
آخر هذه المحاولات كانت بتاريخ الأول من مايو تم فيها ضبط خبير فرنسي بحوزته 8 تماثيل برونزية و5تماثيل حجرية مزورة و15 عملة في خط المسند و3 أختام حجرية.
نيابة الآثار بأمانة العاصمة بدأت تحقيقاتها في قضية الخبير الفرنسي المضبوط بتهمة تهريب آثار، الخميس الأول من مايو بمطار صنعاء، و قررت النيابة حبس المتهم الفرنسي ايفس البرت (58عاما ) سبعة أيام على ذمة التحقيق، تمهيدا لإحالته إلى المحاكمة بتهمة تهريب قطع أثرية نادرة.
كما أن هناك بعض المعلومات التي تشير إلى أن بعض الدبلوماسيين لبعض سفارات دول كبرى في اليمن يقومون بالمتاجرة والتهريب لبعض القطع الأثرية اليمنية. ووفقا لتصريحات وزير الثقافة السابق خالد الرويشان الذي أعلن أيضاً امام جلسة برلمانية ان سفارات وملحقيات ومراكز ثقافية وأجنبية متورطة في تجارة الآثار.
من أسباب التهريب:
يعزو البعض سبب ازدياد نشاط تهريب الآثار وإقدام بعض المواطنين اليمنيين على الاتجار بها والوقوع في شراك إغراءات عصابات التهريب الخارجية إلى الظرف الاقتصادي والمعيشي الذي يعيشه المواطن اليمني إضافة إلى جملة من العوامل الطبيعية التي تساعد على عملية تهريب الآثار اليمنية إلى الخارج منها اتساع رقعة الحدود اليمنية وخصوصاً البحرية والبرية، ويعتقد أخصائيو الآثار والنقوش ان ظاهرة تهريب الآثار تعكس وجود تهاون في تطبيق النظام والقانون من جهة. وضعف الوعي لدى المواطنين بأهمية التراث من جهة أخرى.
وأعمال التنقيب ليلاً في الكثير من المناطق الأثرية وخاصة في محافظة مارب والجوف لعدم وجود حماية لهذه المواقع من قبل الدولة ومن ثم يقومون بعرض ما يجدونه من الآثار للبيع.
وكذلك الربح السريع والميسر إلى جانب الإغراءات بالعملة الصعبة التي تعني الكثير للمواطن اليمني أمام سعر الصرف، ناهيك عن غياب الرقابة والمساءلة والحزم من قبل الدولة، فضلا عن قلة الإمكانيات التي لا تشجع ولا تتيح للجهات المختصة أن تخصص حراسة للمواقع الأثرية، وإن وجد هذا الجانب لا يستطيع بعض الحماة لهذه المواقع الصمود أمام المغريات الثمينة للقيمة المادية لأي قطعة أثرية، وهو ما تشكو منه بعض الجهات.
ويقول المسؤولون: إن عصابات تقوم بزيارة الأماكن والمواقع الأثرية عبر قنوات معلوماتية معدة مسبقاً ثم يبدأون بالتعامل مع مواطنين في الاسترشاد بهم إلى تلك الأماكن والمواقع مستغلين الظرف الاقتصادي للمواطنين، حيث يتم الحصول على الآثار وتجميعها في مراكز رئيسة داخل اليمن ومن ثم تهريبها إلى الخارج بطريقة أو بأخرى.
وتذكر المصادر أن عملية التهريب التي تمارسها عصابات من جنسيات يمنية وعربية وأجنبية تشترك في بعضها عناصر نسائية في الداخل والخارج وتتبع حيلاً مختلفة وأساليب متنوعة للمرور من المنافذ اليمنية كشف بعضها موظفو الجمارك والآثار في مطار صنعاء الدولي.
أسواق تنصب ليلا وتختفي نهارا
بينما ذهب أحد المختصين الآثاريين لآثار مارب بتكليف من الجهات المختصة إلى محافظة الجوف لوجود بلاغ عن اكتشافات جديدة معرضة للنهب، مع أحد زملائه لمعاينة الموقع، كان الليل يرخي سدوله على المحافظة لم يشعر –حسب كلامه- في وقت متأخر من الليل إلا وضجيجا يبدد صمت سكون الليل، أعمال حفريات عشوائية، وصول مواكب سيارات، ضجيج أناس يتفاصلون في سعر بعض القطع.
“خرجت من مكاني لأرى ما الأمر.. وإذا بي أجد سوقا متكاملة لمهربين ومتاجرين بالآثار يحتمون برجال قبائل مستفيدة من مثل تلك العمليات”.
ويواصل: إحدى تلك العمليات والتي شكلت صعوبات في بيعها وتهريبها كان عمودا كاملا من الرخام بشكل مخروط وعليه نقش كامل من الخط المسند المعيني”.
أراد الشخص المكلف إقناع أولئك النفر أن يحملوا ذلك العمود في سيارة خاصة إلى صنعاء وإعطائهم بدل (حِفاظة) بينما كان رجال القبائل يتربصون به وبطاقمهم الدوائر حتى إذا كانوا في إحدى مخارج المحافظة أمطروا طاقمهم بوابل من الرصاص لمحاولة قتلهم ونجوا بأعجوبة من محاولة ضربهم بقاذفة “أر بي جي” بحسب قوله.
مثل هذه الأمور تجعل من الصعب على المرء المكلف المخاطرة بحياته “خاصة إذا اكتشف أن هناك من بعض النافذين في الدولة من يكون حاميا لعصابات التهريب ومتاجراً بها دون رقيب ولا حسيب، وبالتالي الموظف البسيط يذهب ضحية لأولئك النافذين”- يضيف ذلك الشخص.
صغار التجار كبش فداء
حققت السلطات في اليمن خلال السنوات القليلة الماضية بعض النجاحات على صعيد حماية الآثار اليمنية والحد من نشاط التهريب كإحباط العديد من محاولات التهريب في مختلف المنافذ، وإلقاء القبض على عدد من مهربي وتجار الآثار، ومحاكمتهم، وكشف شبكات تهريب وتجارة وشراء قطع ومخطوطات أثرية استنزفت ما يقارب 80 في المائة من ميزانية وزارة الثقافة.
إلا أنه وبالرغم من ذلك فإنه توجد مافيا نبش وسرقات الآثار في كل أنحاء اليمن لها رؤوس يانعة ذات نفوذ عال في الدولة تسهل عمليات خروج الآثار عبر منافذ اليمن الجوية والبحرية والبرية، ومن يعجز عن تهريب بعض القطع يأتي بتوصيات وخارطة طريق إلى أحد كبار المسؤولين المهربين أو المتاجرين في هذا المجال مقابل نسبة معينة.
ويتم تقديم الرؤوس الصغيرة أو الفاشلة في هذا العمل ليتم التضحية بها مقابل حماية الكبار.