آثار البيضاء: كنوز مطمورة يهددها الضياع
أكثر من مائة قبر أثري يتعرض للنبش
جحلان: مكيراس غنية بالمواقع الأثرية .. وهناك لجان مكلفة لدراسة وضع هذه المواقع

محمد محمد إبراهيم
.. في معظم المحافظات التي تمتلك مقومات تاريخية وآثار تحكي حياة الأمم الغابرة .. لم يعد القلق قائماً حول كيفية الوصول للمواقع الأثرية المطمورة للاستفادة منها في تنشيط السياحة الداخلية والخارجية .. بل صار الخوف الأكثر حضوراً هو أن تصحو الجهات المعنية ذات يوم على سرقات جماعية لمواقع أثرية بأسرها بينما هذه الجهات تختلف حول الاختصاصات والمهام.
وهو ما حصل في مدينة إب قبل شهور قليلة.. في محافظة البيضاء يحصل مثل ذلك وظهرت نتائج العبث في تدهور قلعة البيضاء والمناطق الأثرية في عزلة الملاجم ومكيراس والسوادية وغيرها.
بداية هذا التحقيق بدأت من زيارتنا لقلعة البيضاء للإطلاع على ما تبقى منها من أسوار .. ولم أكن أعرفها حقاً رغم أنني قد لمحتها ذات سفرٍ جميلٍ وتحديداً في عام 1998م حيث سافرت حينها إلى أبين مروراً بالبيضاء.
سألت أحدهم عن هذه القلعة التي كانت منتصبة أمامنا والمدينة تستدير عند أقدامها في طواف تاريخي معتاد أشار إليّ إنها قلعة البيضاء التي يعود بناؤها إلى التاريخ القديم حسب المصادر التاريخية حيث بناها الملك (شمر ثاران) وكما ورد في بعض المراجع الأخرى (شمر ذو الجناح)، مشيراً إلى الجبل المقابل لها والذي تعتليه بعض الحصون هو حصن عزان.. بعيداً عن ذكر المناطق الأثرية الأخرى .. فالأمر هنا متعلق بما آلت إليه القلعة الآن ، حيث صارت صورة مخيفة تقرع أجراس الغياب .. بوابة تاريخية حصينة بدأت تنذر بالتهاوي ، وأسوار تهالكت منذرة بخطر قادم يهدد أمان الأطفال في الحارات التي تحتها.
وما تبقى من نوباتها لم يعد سوى ملاجئ لجراء الكلاب ، وهذا ما لاحظته أثناء وصولي داخلها عبر منفذ من السور المتهالك، أما البوابة فلم استطع فتحها لأنها ببابها الخشبي الضخم ثقيلة ومخفية في نفس الوقت ، ناهيك عن وصولي إليها بعد رحلة صعود رائعة في حارة القلعة التي تنحدر شوارعها انحداراً شديداً .. لكنها صارت جميلة بعد رصفها وتعبيدها .. لكن جمال الصورة لن يكتمل إلا إذا تواصل الرصف حتى داخل القلعة التي ستتحول في حال ترميمها إلى وجهة سياحية فريدة.
ما يلفت الانتباه هو وجود توجيهات سابقة وفي أكثر من مقام بترميم هذه القلعة والحفاظ على ماتبقى منها من أحجار سورها ونُوَبِها وإعادتها إلى واجهة الحياة كما عادت قلعة تعز ومدرسة العامرية والآن قلعة حجة التي باتت حاضرة السياحة اليمنية الجذابة.. ويرجع مدير مكتب السياحة بمحافظة البيضاء عدم تنفيذ التوجيهات بالترميم تعود إلى بعض المختصين الذين لا يهتمون أو لا يستوعبون مهامهم.
إهمال ولا مبالاة
لم تكن قلعة البيضاء الوحيدة التي تتلاشى في حضرة الإهمال ولكن هناك مواقع أثرية تتعرض للعبث في كل مديرية ويكون هذا العبث إما بغرض السرقات والتهريب وإما بدون قصد ناتج عن جهل المواطن بأهمية هذه الآثار بالذات النقوش المدونة على الأحجار حيث صارت تستخدم في المباني الحديثة وهذا ما حصل بمديرية الملاجم وامعادية وفي مناطق مختلفة ليس في البيضاء وإنما المحافظات الأخرى إذ تهدم أحجار القلاع والحصون وتبنى بها منازل حديثة وهذا ناتج عن جهل كبير بما تمثله هذه الحصون والمعالم من ثروة سياحية كبيرة.
وعن العبث القائم في التنقيب العشوائي غير المدروس قال محمد أحمد عرمان مدير مكتب السياحة بالبيضاء: (قدمنا عدداً من التصورات والتقارير والشكاوى مدعومة بالصور لبعض العاملين في الهيئة العامة للآثار وهم يقومون بحفريات داخل بعض المناطق الأثرية في منطقة الطفة حيث تم نبش أكثر من مائة قبر إلى خارج المقبرة للبحث عن الآثار .. وقد حصلت سرقات وأبلغنا بهذا.. وكان هناك توجيهٍ من المحافظ لمدير مكتب الآثار بأن ينزل ميدانياً ويرفع تقريراً حول ما الذي يحصل في مديرية الطفة والذي يجب فعله للحفاظ على هذه الآثار.
ويشير مدير مكتب السياحة إلى أن أبرز الآثار التي سرقت تتمثل في عدد من المجسمات البرونزية والجيرية التي ترمز إلى ملوك وحكام هذه المناطق في العصور القديمة.. موضحاً أن هناك تداخلاً كبيراً في مهام مكتب السياحة .. ومكتب الآثار التابع لوزارة الثقافة، وهذا زاد الخطر وضاعفه على الآثار.. متعدد الجهات المسؤولة تتواكل على بعضها حتى يحصل الإهمال والضياع.
مسؤولية المجالس
تتحمل المجالس المحلية جزءاً كبيراً من مسؤولية الحفاظ على المعالم التاريخية والمواقع الأثرية في المديريات والعزل .. كما صار الآن من مهامها التخطيط لتنفيذ مشاريع الترميم والصيانة لهذه المعالم لذا فقد طرحنا إشكال الإهمال والعبث الذي تعانيه المواقع التاريخية في البيضاء على أمين عام المجلس المحلي ناصر الخضر حسين .. الذي أشار إلى أن مسألة مشاريع الترميم خصوصاً الكبيرة لا زالت مركزية التمويل فنحن في المجالس المحلية لا نستطيع تغطية هذه التكاليف كونها تكاليف باهظة، ونحن في تواصل مع المختصين بالآثار حول ترميم القلعتين إلى جانب المرحلة الثانية من مشروع العامرية.

وفي ما يتعلق بموضوع العبث الحاصل في بعض المواقع الأثرية أردف الخضر قائلاً: صحيح أن المواقع الأثرية تعرضت في المراحل السابقة للتخريب والعبث من قبل العابثين الذين يجهلون قيمة هذه الآثار أو من قبل الذين يهربونها.. كان هذا العبث بسبب عدم حصر هذه المواقع وعمل حملات توعوية .. أما الآن فنحن بصدد تفعيل برامج الحفاظ والصيانة لهذه المواقع وبالتنسيق مع الجهات المسؤولة في مكتب السياحة ومكتب الآثار، ونبذل جهوداً كبيرة لتوعية المواطنين بأهمية الحصون والمعالم التاريخية والهامة حتى لا يتكرر ما حصل في بعض المديريات حيث تم بناء بعض المباني من أحجار هذه الحصون والتي على أحجارها نقوش سبئية وحميرية وهذه مأساة، ونحن الآن نسعى إلى تلافي ما تبقى وترميم ذلك والحفاظ عليه.
مواقع زاخرة
العميد محمد جحلان مدير عام مديرية مكيراس يؤكد ضرورة أن تؤدي الجهات المعنية في مكتب الآثار والسياحة دورها المطلوب ليس في رصد المواقع الأثرية ، بل بتقديم خطط فعالة يكفل تنفيذها صون هذه المواقع وحمايتها وليس كشفها فقط للعابثين الذين يتحينون الفرص لتهريب وتزوير الآثار.
ويقول: مديرية مكيراس تزخر بمواقع أثرية كبيرة وعريقة منها موقع امعادية .. وهي مدينة قديمة تذكر المراجع أنها من مآثر قوم عاد وقد سكنها الملك السبئي (كرب أيل ويتر) وحصون عديدة توجد في مختلف عزل المديرية.
وأوضح جحلان أنه تم تشكيل لجان ميدانية لدراسة مختلف المواقع الأثرية ورفع تقارير مفصلة عن إشكالات العبث الذي تعرضت له هذه المواقع خلال الفترات السابقة واقتراح المعالجات اللازمة حتى يتم بناءً على ذلك وضع خطط لمشاريع ترميم وصيانة تعيد الوجه المشرق لهذه الأماكن والمعالم.
حوادث متعددة
إلى جانب ما أكده مدير مكتب السياحة من نبش مائة قبر أثري .. وقعت حوادث اعتداء على بعض المواقع الأخرى حسبما يقول يحيى النصيري مدير مكتب الآثار بمحافظة البيضاء الذي أشار إلى أن المحافظة رغم الأحداث تعد من أقل المحافظات عبثاً بالآثار نظراً للوعي المتنامي لدى المواطنين وتعاون المجلس المحلي وقيادات المديريات في ما يتعلق بحماية الآثار ومعاقبة من يثبت إدانتهم بالاعتداء على هذه المواقع.
وقال النصيري: حوادث النبش لم تحدث في الطفة بل حدثت في مديرية السوادية .. وقد تم معاقبة العابثين وفقاً لقانون الآثار الذي تم توزيعه على مدراء المديريات .. وحدث نبش آخر في الرياشية وسوق العدين وتم محاسبة العابثين الذين كشفوا ليلاً.
وأوضح النصيري أن مكتب الآثار قد رتب ثلاث زيارات متعاقبة لبعثات آثار إلى وادي حرير حيث قامت البعثة الفرنسية بمرافقة فريق يمني بتسجيل النقوش الموجودة في مواقع الوادي ورفع هندسي للسد الموجود في أسفل الوادي.. كما تمت دراسة طرق الري وتصريف المياه وسوف يتم متابعة المسح الأثري في كل المديريات.
وأضاف: كما تقوم البعثة الفرنسية بمتابعة أعمال الموسم الرابع لأعمال التنقيبات الأثرية في موقع (حصي) ، وكذلك استكمال مسح أثري ذي شقين الأول متعلق بتسجيل وتوثيق وجمع نقوش المسند والمخربشات والرسوم الفخرية في أكثر من مديرية وفي درجة أساسية في مديريتي الصومعة مكيراس الشرية .. وسوف يتم مواصلة أعمال المسح في هذا الجانب إن شاء الله في شهر اكتوبر.
بينما يتعلق الشق الثاني بمسح وتسجيل وتوثيق المواقع الأثرية، وتم التسجيل بدرجة أساسية في الصومعة ومكيراس وغيرها.
خارطة أثرية
وقال مدير مكتب الآثار: كما أن لدينا مشروعاً مركزياً يتعلق بوضع خارطة أثرية للمحافظة في إطار مشروع الخارطة الأثرية للجمهورية اليمنية.. ومن المتوقع أن يتم نزول فريق أثري متخصص لاستكمال أعمال المسح في كل المديريات بالنسبة لموضوع الترميم لقلعة البيضاء وتأخر تنفيذ المشروع رغم توجيهات رئيس الجمهورية.
ويؤكد النصيري أن الصعوبات والعراقيل التي حدت من قيام المشروع تتمثل في عدم اعتماد مبالغ إضافية حسب الدراسة للمشروع؛ فميزانية مكتب الآثار ثابتة ولم يتم رفعها حتى تستوعب مشاريع الترميم رغم مرور ثلاث سنوات من توجيهات رئيس الجمهورية.
كما أن المشكلة الأخرى التي تضاعف من الخطر على الآثار هي عدم توظيف مراقبي وحراس آثار للمواقع من أبناء المنطقة نفسها فهم من يعرفون الآثار وأماكنها، وربط مسألة الحفاظ على هذه الآثار بوظائف ومسؤوليات تتعلق بمصدر الرزق سيسهم في رفع درجة الاهتمام لدى أبناء المنطقة.