اب مدينة العلم والاساطير

محمد حسن مزاحم
لمدينة إب تاريخ مجيد وحضارة عظيمة، تاريخها ينبئ عن وجود حضارة قديمة مازالت شواهدها قائمة حتى الآن لتحكي عظمة وعبقرية إنسان هذه المحافظة.
ولإلقاء الضوء على أهمية إب القديمة ومكانتها التاريخية والسياحية.. ستحمل لكم السطور القادمة تفاصيل عن أهمية موقعها وجمال طبيعتها وروعة مبانيها وقصورها ومساجدها وأسواقها وسورها وأبوابها التي أنشئت للدفاع عن المدينة من الهجمات العسكرية التي كانت تهددها حينذاك.
المدينة القديمة تقع في قلب محافظة إب على ربوة عالية السفح الغربي لجبل بعدان وترتفع عن سطح البحر بحوالى 0002 متر، تحيطها من الغرب مديرية العدين ومن الجنوب مديرية ذي السفال ومن الشرق مديرية النادرة ومن الشمال مديرية يريم.
وتشير كثير من الدراسات والروايات إلى أن مدينة إب القديمة واحدة من أعرق المدن اليمنية الموغلة في القدم..
يقول المقحفي في كتابه «معجم البلدان»:
«إب مدينة جنوبي صنعاء تبعد عنها بمسافة 041 كيلو متراً تقوم على ربوة بالسفح الغربي لجبل ريمان من بعدان وترتفع عن سطح البحر بحوالى 0026 قدم، وهي قديمة الاختطاط، ترجع إلى عهد الدولة الحميرية وقد كانت قرية صغيرة لها سور وفيها من الآثار القديمة «قصر البيضاء الحميري».. ثم ازدادت شهرتها بعد القرن الرابع الهجري، وتشير كتب التاريخ الإسلامي إلى أن الأمير عبدالله بن قحطان الحوالي هاجمها سنة 380هـ وقد ترك فيها الصليحيون كثيراً من آثارهم القديمة».
تتميز مدينة إب الفاتنة بمرتفعاتها ومنخفضاتها.. بمدرجاتها وسهولها.. وحفيف أوراق أشجارها.. وأنفاس الطلح وعبق الريحان.. بأزهارها ونباتاتها العطرية التي يتلألأ الطل على خصلاتها في لوحة ربانية أبدعتها يد الخالق.. كل هذا التنوع الطبيعي يتناغم ليشكل وحدة جمالية رائعة لتضع في مجملها بساطاً مخملياً ناعماً يقصدها هواة الاستماع وعشاق الطبيعة من كل مكان.
أسواق ومعالم
يوجد في مدينة إب القديمة محلات ودكاكين صغيرة يمكن للزائر من خلالها شراء واقتناء بعض المشغولات اليدوية والفضية وبقايا الحلي القديمة.. ويعتبر السوق الذي يتوسط المدينة القديمة من بين أفضل الأماكن للبحث عن التحف والهدايا ويتمتع بشعبية واسعة خاصة بين السياح الأجانب الذين يحرصون على زيارته والتجول فيه وشراء بعض المقتنيات الآثرية القديمة.
الزي الشعبي
أبناء مدينة إب مازال الكثير منهم يحتفظون بلباسهم الشعبي القديم، حيث اشتهرت هذه المدينة بزي شعبي مشهور ومتداول عند الرجال والنساء.. يقول الحاج عبدالله علي العلامة (09 عاماً) كان للنساء ملابس خاصة مثل القميص المكمم «وزنان» على روبة، وزنان تركية وسراويل طويلة مزركشة أما الرجال فكان لباسهم زناناً طويلة يأتي من فوقها «الكمر» وكذا كان هناك لبس خاص بالقضاة والعلماء ويتمثل بالقمصان ذات الأكمام الطويلة والواسعة ومن فوقها توضع الجنبية.
ويؤكد الحاج علي الحبيشي «08» عاماً أن النساء كنا يلبسن القناعات «والمصر» ويأتي من فوق هذا المشقر وفوق القميص المزركش بالحرير تلبس الزينة مثل «اللازم» والمسبت أما المشقر الذي يوضع على الرأس كان من الكاذي والشذاب والأزاب وورد نيسان كما ظهر في الفترة ما قبل قيام الثورة الفوط والقمصان المكممة و«بز» ابو حنش «وبز» مركني «وبز مبرد».
سراديب المدينة
الحديث شيق عن سراديب مدينة إب حيث تعد السراديب إحدى الأسرار التي تخفيها المدينة..
يقول الوالد عبدالوهاب السادة عن كيفية اكتشاف سراديب المدينة: كنا في الماضي لا نعلم الكثير عن هذه السراديب وفي الفترة الأخيرة عندما كانت مؤسسة المياه تمد «مواسيرها» لإيصال المياه إلى المنازل وأثناء الحفر تهدم سقف أحد السراديب، وقد كنت أول من نزل إلى هذا السرداب من الفوهة.. وعندما نزلت شعرت في البداية بضيق بالتنفس ولكني واصلت السير على ضوء المصباح الذي أخذته معي وقد وجدت أن هذا السرداب مبني بناءً رائعاً، فالسقف عبارة عن مساطر من الأحجار.. ثم مشيت فيه مسافة عشرين متراً تقريباً شرقياً وعشرين متراً قبلياً..وهناك رأيت عظمة وذكاء آبائنا الذين اتخذوا هذا السرداب ممراً سرياً لهم.
وعلى العموم فسوق المدينة هذا يقع فوق هذا السرداب ويوجد تحت الأرض غرفة مساحتها 3/3 أمتار، تفصل بين السرداب الأول والسرداب الثاني.. وللأسف إن مؤسسة المياه قامت بردم فوهة هذا السرداب خوفاً على الأطفال الذين عندهم حب الاستطلاع بالدخول إلى السرداب المظلم.
سواقي المياه
اهتم إنسان هذه المدينة بإنشاء السواقي المبنية بالأحجار المنجورة للحصول على المياه ومن ذلك بناء سواقي الماء الممتدة من جبل بعدان إلى المدينة لتمد السكان بمياه الشرب.
آثار ذات دلالة
آثار الأمم هي سجل تاريخها وهي كتاب حضارتها.. وأمة بلا آثار هي أمة بلا تاريخ ومن لا تاريخ له لا جذور له ولا وجود، ومدينة إب لها تاريخ تستمد وجوده من عمق جذورها حيث تحتوي الكثير من المعالم الآثرية مثل:
الجامع الكبير
تم تشييد وبناء الجامع الكبير في العقد الثاني من القرن الأول للهجرة ويقال إنه من أقدم المساجد في اليمن وهو من الجوامع التي يتميز بجمال تصميمه من حيث الشكل والسعة والحجم.
وقد سمي بالجامع العمري نسبة إلى مؤسسه الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. ولأهمية هذا الصرح كمسجد فقد ناله كثير من العناية حيث تعاقبت عليه خلال العصور الإسلامية الإضافات والتجديدات وأعمال الترميمات.
وكانت أكبر توسعة حصلت للجامع تلك التي قام بها وزير الدولة الزيادية الحسين بن سلامة.
بالإضافة إلى التجديدات الأخرى التي تمت في عهد السلطان عامر بن عبدالوهاب عصر الدولة الطاهرية عام 498 - 329ّهـ - وفي عام 669هـ وتحديداً آخر أيام الحكم الأول للعثمانيين قام حسن باشا بأعمال تجديد أخرى، وما يثير الإعجاب أن تخطيط الجامع الكبير في إب يشبه مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فهو عبارة عن تحفة فنية معمارية رائعة.
فالصحن التابع للجامع تحيط به أروقة أعمقها رواق القبلة الذي يتكون من مقدمة الجامع تغطيه قباب بديعة.
كما أن الجامع الذي بني على ربوة مرتفعة وسط المدينة القديمة يتميز بمداخله الثلاثة والمآذن التي تقع في الناحية الجنوبية الشرقية التي تلفت الانتباه فهي على شكل بدن مثمن تنتهي بشرفة يتوجها من الأعلى طاقية مقببة والتي يعود تاريخ بنائها إلى عصر الدولة الرسولية عام 586هـ والتي مازالت تنفح برائحة الماضي الفائت والطراز المعماري الآخاذ.
مجالس متميزة
الحديث عن مجالس مدينة إب حديث ذو شجون فلكل مجلس بالمدينة صفات مميزة عن بقية المجالس.. يقول الحاج علي الميتمي صاحب أشهر مجلس بالمدينة يوجد في المدينة عدد من المجالس والتي مازالت عامرة إلى اليوم وأهمها مجلس بيت سلامة وبيت الصباحي وبيت العزي وأهم ما يدور داخل هذه المجالس أنها تبدأ عادة بقراءة سورة «يس» وبعدها الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يتم قراءة آية كريمة من القرآن الكريم وشرحها وإشراك الحاضرين بطرح آرائهم أو قراءة موضوع من كاتب، ولا يقتصر المجلس على هذا الجانب فهناك النكتة التي يتميز بها أبناء المدينة القديمة كما أن الشعر لا يغيب عن هذه المجالس، وعموماً فأن المجالس بالمدينة تقسم إلى نوعين كما يقول الحاج عبدالرحمن العزي النوع الأول المجالس العادية والثاني المجالس ذات الطابع الديني.
مدافن المدينة القديمة
وأخذتنا رحلتنا إلى السؤال والبحث عن المدافن التي تشتهر بها مدينة إب بالصدفة التقينا بالوالد عبدالله إسماعيل شريف وسألناه عن المدافن التي كانت تشتهر بها المدينة والأهمية التي كان تشكلها فقال:
كان يوجد بالمدينة القديمة أكثر من 004 مدفن تستخدم كمخازن للحبوب والقمح حيث كان وادي «الظهار» ينتج سبعين ألف قدح من الحبوب «الذرة - الشعير - البر - الدخن» إلى المدينة وحدها، ويتم خزن هذه المحاصيل بهذه المدافن للحفاظ عليها واليوم فقد تحولت هذه المدافن إلى مصرف للقمامة والأحجار والتراب.
خرافات وأساطير
بسبب الجهل الذي كان مخيماً على أبناء اليمن بوجه عام قبل قيام الثورة كانت تنتشر في مدينة إب الخرافات والأساطير التي تتنافى مع العقل والواقع حيث كانوا يخلون مساكنهم بفعل الأوهام والخرافات التي تسيطر عليهم فكانوا يؤمنون بوجود «غدار الدار» أو كما يسمى «أبو كلبة» في منزلهم فيقوموا بالذبح للخلاص من هذه الأرواح الشريرة.
يقول الحاج عبدالوهاب السادة «الأولون» وبسبب الجهل وقلة التعليم كانوا يذهبون إلى العرافين والمشعوذين والذين يوهمونهم بأن منازلهم يوجد بها دواعي وعفاريت وعليهم أن يقوموا بالذبح للخلاص منها وهكذا يظل صاحب الدار متخوفاً ويتكرر باستمرار على الولي «المشعوذ» للخلاص من هذه المشكلة غير المجودة أساساً.
تراث إبداعي
وفي الجانب الآخر كانت المدارس العلمية قائمة فقد شهدت المدينة نهضة علمية كبيرة ومما يدل على ذلك وجود المدرسة الجلالية العليا التي تتميز بموقعها الفريد الذي أضفى عليها منظراً خاصاً.
وقد شيدها الشيخ جلال الدين محمد بن أبي بكر السيري من بداية القرن التاسع الهجري لتكون مركزاً لتدريس الفقه والعلوم الإسلامية الأخرى.. وفي المدرسة توجد مئذنة تعد من أجمل المآذن اليمنية التي تتكون من قاعدة مربعة يعلوها مضلع مطرز بزخارف هندسية بديعة مصنوعة من الأجر والجص القوي الذي كانت تشتهر به محافظة إب حينذاك ويتوج المئذنة من الأعلى قبة مظلعة شامخة شموخ التاريخ وجميلة التصميم المعماري الأصيل.
ويقول الأخ خالد العشي مدير عام مكتب الآثار بالمحافظة: تعتبر المدرسة الجلالية العليا اليوم من أفضل أماكن الجذب للوفود السياحية الذين يرتادون المدينة لما تمتلكه من إبداع في التصميم والإنشاء المعماري وبحكم موقعها في منتصف المدينة القديمة.
مدرسة المشنة
تعد مدرسة المشنة التي أمر ببنائها الأمير جلال الدين النظاري «منتصف القرن الثامن الهجري» «الرابع عشر الميلادي» من المعالم الإسلامية التي يمكن زيادتها ومشاهدة ما تبقى من معالمها التي تشتمل على صحن مكشوف وإيوان للدرس وكذا المحراب الذي يتألف من حنيه تؤطرها أشرطة كتابية.. بالإضافة إلى بيت الصلاة الذي يقع إلى الشمال من صحن المدرسة وهو مربع الشكل فتح في جداره الجنوبي مدخل مستطيل الشكل عليه عقد مدبب.. أما مدخل المدرسة فيفضي إلى ساحة فسيحة مربعة الشكل التي تحتوي على بلاطتين بواسطة بائكة في الأعمدة، ويوجد عمودان مضلعان يعلوهما تيجان ناقوسية الشكل التي تقوم بحمل السقف الذي هو عبارة عن مصندقات خشبية والتي تعتبر من أجمل التحف المزخرفة.
سور أبواب المدينة
هي من أبرز المعالم الآثرية والسياحية الرئيسية الشاهدة على حضارة هذه المدينة التي كانت تحميها من الهجمات العسكرية التي تهدد أمن سكان المدينة.
ويعتبر سور إب القديمة من الأماكن التي شيد حول مبانيها وكان له خمسة مداخل وأبواب وهي: الباب الكبير، وباب الراكزة وباب النصر وباب سنبل والباب الجديد.
وما يؤسف له أن جميع هذه الأبواب قد اندثرت ولم يتبق منها شيئاً ماعدا باب الراكزة الذي مازال شاهداً على الحضارة الإنسانية التي قامت في هذه المدينة.
القصور والمباني القديمة
تزخر مدينة إب القديمة بالعديد من المباني والقصور الآثرية القديمة ذات الأهمية الخاصة بأبوابها ونوافذها الخشبية ذات التصميم الفني البديع والتي تحكي بمجموعها إبداع الإنسان اليمني.. وهذه القصور والمباني تعد من الأماكن التي يقصدها السياح ويرغبون بزيارتها مثل دار الحمام ودار القرناج والدار البيضاء ودار الخان. . ومن الدور التي مازالت تلفت النظر إليها دار الخان الذي بناه العثمانيون وهو دار فائق المكانة مشيد بالحجارة ويقال إنه بني كسمسرة لخدمة المسافرين الذين كانوا يأتون إلى المدينة ويبيتون فيها.