عقبة عدن .. أعجوبة بحد ذاتها

كتب : بديع سلطان
أعجوبة بحد ذاتها .. ليس لگونها ارتفاعاً لجبل ، بل لگون وضعها أخذ ألباب الباحثين والمؤرخين
هي شق في قلب جبل .. ربط ذلك الثغر بأرض اليمن .. معبر وحيد يؤكد ارتباطه بأمه .. كانت بمثابة الرئة الوحيدة التي تستنشق منها المدينة عبق أصالتها اليمنية والعربية .. كانت السبب في استحالة تغربها وسلخها عن هويتها .. رغم المحاولات .. لولاها لأضحت كمثيلاتها من مشاهير الموانئ والمواقع البحرية الحساسة التي محيت عنها عروبتها وجذورها الشرقية وباتت «مستغربة» أكثر منها مستشرقة كجبل طارق وميناء سنغافورة الشهير..
وأدوات الزينة والعرس النسائى وهي من الأساليب والطرق الهندية ومعظمها مستورد من الهند.
المزهار
ويسمى محل امزهر وهو المكان الذي يجلس فيه بائعو المشاقر والفل وهو من أهم الأماكن التي يرتادها من يذهب إلى السوق وتباع في هذا المكان المشاقر والزهر «الفل» للنساء أما الرجال فيكتفي بشراء مشقر يضم خليطاً من الورود والازهار والاعشاب العطرية يضعها الرجل في جيبه أو في عمامته التي يلفها حول رأسه.
لذلك يوجد سوق المجحات وهو سوق بيع «الحبحب والبطيخ» وسوق السمك الذي يسمى «المحوات» وينتشر في نواحي السوق عدد الباعة المتجولين الذي ينادون على الزبائن بأصوات مرتفعة لا تخلو معظمها من «الهزج» والكلام المسجوع كقولهم :
هب لك واقبيلي هب لك
وقولهم «كم مبدل باع امسجل صابا وعجل» وغيره الكثير من اهازيج الباعة في الاسواق التي تحتاج إلى تتبع لحصرها وتوثيقها.
المغداية
وهي المكان الذي يتناول فيه بعض المتسوقين الغداء الذي تتصدر مائدته «البرم» اللحم والكدر الخبز المصنوع من الطعام البلدي.
المقهاية
وهو المكان الذي يضع فيه المتسوقون أمتعتهم ويتناولون أكواب القهوة وكثيراً ما يجمع هذا المكان بين المغداية والمقهاية وهو أشبه بمكان استراحة يلتقي به الناس ويتبادلون الاحاديث ومستجدات الأخبار على كل الأصعدة.
ويستمعون فيه إلى الشعر من خلال الشعراء الذين يجيئون إلى السوق لاسماع الناس اشعارهم التي غالباً ما تكون مغناة.
التكافل الاجتماعي في السوق
ويتمثل هذا الجانب في قيام الكثير من الرعية والميسورين بمساعدة أصحاب الاعاقات وذوي الحاجة من الفقراء وغيرهم ممن يطلبون المساعدة من مرتادي السوق.
ويخلص بنا القول : إلى ان السوق الشعبي اليمني يمثل خلاصة حياة المجتمع والاقتراب من هذا السوق يعني اقتراباً من حياتهم السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعديد من الأنماط السلوكية والثقافات الشعبية التي لا تعبر عن عراقة هذا الشعب الذي لا يزال يحافظ على هذه الأصالة العربية الضاربة بجذورها في عمق التاريخ العربي.
بحد ذاتها أعجوبة .. ليس لكونها ارتفاعاً لجبل .. بل لكون وصفها أخذ ألباب الياحثين والمؤرخين واستأثر بجميل أوصافهم .. فهاهو المقدسي يصف عقبة عدن وبابها وطريقها نحو البر بقوله : «وقد شق فيه طريقاً في الصخر عجيباً ، وجعل عليه باب حديد» .. إنها عقبة عدن ..أو باب عدن .. ومدخلها التاريخي.
العقبة
يقول الباحث ، عبدالله محيرز ، في كتابه «العقبة» .. و«العقبة أكثر من تلال وشعاب ، وحصون وقلاع ، هي رمز لعزم مدينة عدن .. وتصميمها عبر العصور لتأكيد ارتباطها العرقي والثقافي باليمن .. وطن أكبر وأشمل : أهلها أهله ولغتها لغته، وتاريخها تاريخه .. وطن هو جزء من عالم عربي أوسع ، أثرت فيه ، وتأثرت به ولعبت دورها كاملاً في تاريخه وثقافته ، وبقيت العقبة الضمان الوحيد للحفاظ على أصالة المدينة وعلاقتها بيمنها ضد ما يلفظه البحر على سواحلها من كل بعيد وغريب».
ما حوته من كلمات مضت سطرها الباحث المحيرز يبهتنا دهشة بأن تكون لمثل هذه الكومة المرتفعة من الصخور الضخمة المسماة بـ«العقبة» كل تلك الصفات والمعاني والدلالات الوطنية والثقافية التي تحكي قصة مدينة قاومت مغتصبيها ورفضت السقوط معهم في أوحال التغريب وإنكار الهوية .. لتصبح تلك العقبة رمزاً للصمود والتمسك بما تمتلكه من انتماء وولاء عبر قرون من معاناة المحتلين.
ويزيد المحيرز على ما ساقه بالاشارة إلى أن تاريخ العقبة التي تربض على مداخل الثغر اليمني هو تاريخ ذلك الثغر فيقول : «تاريخها هو تاريخ مدينة عدن ، وحدودها هي حدود أهميتها ونفوذها ـ عبر التاريخ ـ على كل ما تطل عليه ، وما تتفاعل معه من مستوطنات واستحكامات دفاعية».
تاريخ عظيم يختزل في عقبة جبلية .. يدفعنا حتماً للتساؤل الذي لابد له من إجابة
باب عدن
«من عجائب اليمن التي ليس في بلد مثلها .. باب عدن» مقولة للمؤرخ الهمداني بعد زيارته لعدن .. وباب عدن يقع في ثنايا العقبة وهو أحد أشهر معالم المدينة .. ويعد بابها الوحيد لقرون عدة إلى البر وهمزة وصلها بالجزيرة العربية .. وكغيره من معالم عدن له مسميات عدة .. فهو باب عدن .. وباب العقبة ، وباب البر ، والباب البري، وباب اليمن ، وباب السقائين ، وباب المعلا ، وأطلق عليه الانجليز الممر الرئيسي تميزاً له عن الممر الصغير الواقع على عقبة أخرى تبعد عنه قرابة كيلو مترين وتسمى بعقبة حجيف.
الباب الذي حرص البريطانيون على أن يحكموا استعداداته العسكرية منعاً لولوج اليمنيين والعرب إلى المدينة بهدف تغريبها وزيادة الهجرات غير العربية اليها من الهند أو افريقيا أو شرق آسيا أو غيرها كانت تحيطه دروب وأبراج شيدته الدول والحكام الذين تعاقبوا على حكم عدن بدءاً من أيام الدولة والخلافة العباسية مروراً بالدويلات اليمانية المتعاقبة التي تصارعت على عدن وعلى موقع العقبة والباب بالتحديد لخصوصيته وشأنه ومكانته .. واستمرت تلك الدروب تشيد أو ترمم حتى مجيء الانجليز الذين قاموا بتغيير الباب نهائياً فأزيلت البوابات ، وبني برج آخر ، وعززت الجسور القديمة ، وشق طريق حلزوني على جبل التعكر من خارج المدينة من الباب وحتى المعلا ، في اتجاه الميناء ويصل إلى البحر .. يطلق عليه طريق العقبة.
وبنى الانجليز جسراً حجرياً فوق الباب بدءاً من قمة «التعكر» وهو الجسر الذي بقي إلى منتصف القرن العشرين ، وأصبح معلماً من معالم العقبة ، وعرفت به ، وبني في يناير عام 1867م واستمر بناؤه عاماً كاملاً .. وهو الجسر الذي تعرف به العقبة في صورها المتداولة.
وهذا النشاط التشييدي للمحتلين الانجليز لاينفي اهتمام الدويلات اليمانية بالاعتناء بالباب وبالعقبة ، بل لقد كان اهتمامهم بتشييد المنشآت على العقبة وقربها كبيراً ، وأكد هذا الاهتمام المحتل البريطاني مما يدل على أهمية موقع العقبة وباب عدن في تلك الفترة باعتباره المنفذ الوحيد إلى عدن والرابط الوحيد الذي يربطها بالبر بعدما احاط بها البحر من كل الجهات وقبل أن يوجد لها حالياً أكثر من منفذ.
معلم تاريخي
الزائر لعدن هذه الأيام لن يرى باب عدن .. ولاذلك الجسر الذي شيد على قمته .. حسبه ان يصعد العقبة ويمر بالقرب من جولة باب عدن .. تلك الجولة التي ينتصب وسطها مجسم ونموذج مصغر لباب عدن وعقبته التي بقيت قروناً .. وتم وضع حد لحياتها في منتصف القرن العشرين بمبرر توسعة الطريق العام والمدخل الرئيسي للمدينة.
حسبنا أيضاً أن نقف على أطلال الباب العدني ونرمق باعيننا مياه البحر الزرقاء وهي تحتضن البواخر الضخمة الراسية على رصيف المعلا .. وتلك الزوارق الصغيرة التي تحتضن صاحبها تنطلق معه نحو رحلة صيد موفقة..
وحسبنا ان نظل نحملق في مجسم باب عدن ومياه نافورته تتناثر وسط جولة العقبة .. ونأسف على معلم تاريخي اختزل عمر وتاريخ وحياة مدينة.
وهاهو اليوم مجرد مجسم صغير تحيطه خضرة مصطنعة .. يحكي لنا بصمت عن أن مكانه ليس هناك ، وإنما كان على بعد مترات .. ولم يكن بنفس الحجم بل كان بحجم جبل .. ولم يكن بقايا تاريخ .. بل كان هو التاريخ لمدينة تاريخية اسمها عدن.
المصدر : كتاب«العقبة»
د.عبدالله محيرز