مدينة حيس غائبة في ازمنة التاريخ

إذا أردت أن تعرف أمة من الأمم ..فاقرأ تاريخها وقف على أطلال مآثرها لا لتبكيها..ولكن لترحل بين ثناياها وتقرأ ما خطه الدهر ولونته العصور وحفظته الأيام..ستدرك حينها أنك أمام لوحة ساحرة بأطلال عامرة ستدب روح الحياة فيها من جديد،.ومن خلال وقار الصمت وصراخ الكلمات وغثاء الكتب وزيف الحقائق،ستعرف حكايات مؤلمة تحكي صناعة التاريخ الذي يرقد بين ثنايا تلك الاطلال..ها نحن في حيس نبحر بالذاكرة مع جمال مآثرنا التي خنقت أنفاسها أتربة الإهمال وكادت أن ترحل إلى مقابر النسيان.
مديدرة حيس ترقد بين ثناياها حقائق مؤلمة عن واقعنا لاسبيل إلى اخفائها..
مدينة حيس بن يريم بن ذي رعين الحميري..تعيش عذابها بصمت وشجنها بصمت..بيوت مربعة وشوارع بائسة ووجوه سمراء وقلوب طيبة ..حيس رضعت من لبن الدهر طويلاً..ولكنها لاتزال طفلة لم تفطم بعد..شبت كأترابها من المدن وشابت وهي لم تزل طفلة ويبدو أنها ستظل طفلة ربما لأنها لاتريد أن تفقد براءتها.
مداعبة وعشق
يدركني اللاشيء لااعرف من أين أبدأ عبثاً أحاول فتراودني الأسئلة من جديد وسط مااندثر ومايحتضر هاهو الأمل يدركني ويأتي من رحم القدر..كالفجر..يغسل الألم ويمحو العذاب ويبدد غبار السنين ،يزرع الإيمان بأن ساقية الحياة تدور ولا تتوقف ،فلايأس مع الحياة ولاحياة بلا أمل..وتبقى حيس مليئة بالأزقة،وكل منها يفضي بك إلى مكان آخر أكثر دهشة وحيوية،فإغراءات حيس متنوعة ومتعددة بالصورة والصوت..الناس هنا صناع تقليديون ،أو حرفيون،أو موظفون.
انهيار قلعة ونهب احجارها
قلعة حيس منشأة عسكرية تعتبر أحد إبداعات العمارة الإسلامية اليمنية لتخطيطها المتناسق وتكويناتها المختلفة والتي توفر من خلالها كل مايحتاج إليه المختصون بها وكذلك أهالي المدنية من إمكانية البقاء والصمود.
ونترك الباحث عصام حسن عوض حمنة يحدثنا عن موقعها وانشائها كونه أحد المهتمين بالآثار التاريخية قائلاً:
في الجهة الشمالية للمدينة تتبع ربع السوق إلى الشرق من الجامع الكبير بالمدينة.
الإنشاء لم يحدد لنا مصدراً عن من المصادر تاريخ انشائها ولكنها ذكرت في حوادث سنة 1227هـ والتي كانت تدور إما بين القبائل بالمدينة أو لصد أي اعتداء من خارج المدينة
ومن خلال موقعها الاستراتيجي ،قربها من الجامع الكبير،قربها وسيطرتها على طريق القوافل التجارية،يتضح لنا أن موقع القلعة الأثرية الحالية هو موقع مهم منذ زمن بعيد ربما يسبق بكثير مايتداوله الناس وماذكرته بعض المصادر عنها.
واستمر استخدام هذه الموقع عبر الدول المتعاقبة حتى وصلت القلعة إلى هيئتها الحالية في عصر الدولة العثمانية ومن ثم الإمامة.
تبلغ المساحة الانشائية للقلعة الجهة الشرقية 70.52متراً تقريباً. الجهة الشمالية 70.54 متراً تقريباً،الجهة الغربية 10.44متراً تقريباً.الجهة الجنوبية 10.42 متر تقريباً،وتعتبر هذه القلعة منشأة متكاملة حيث استوعبت العديد من الجهات الحكومية، ولكن جاء من يخطط لها بالدمار فبدأ العمل على اهمالها ثم تعاون مع من يسلب ياجورها وعوارضها الخشبية،وساهم في تحديد المكان الذي سيتم فيه بناء مكتب للواجبات وكانت القلعة خير مكان وكأن الأراضي قد عدمت وانتهت.وتم ذلك المخطط رغم صمود البعض ممن حاولوا منع ذلك،للعلم أنه كان بالإمكان استخدام المبلغ الذي تمت به مقاولة مبنى لترميم القلعة التي كانت في تلك لاتحتاج سوى بعض الترميمات البسيطة فتصبح مجمعاً حكومياً لمختلف الدوائر الحكومية.
تم انشاء مكتب للواجبات وتم تخريب القلعة وتم سلبها ونهبها وكنت حينها مندوباً للآثار والقلعة الأثرية يرثى لها،كان الهدف هو الحفاظ على ماتبقى من الابراج وباقي الأسوار فقدمت دراسة للهيئة العامة للآثار طالباً تعاونها موثقاً ذلك بالصور
ولكن فوجئت كما فوجئت الهيئة بأن التخريب مستمر وبشراهة حيث لايجد الناهبون للقلعة الردع الكافي رغم الابلاغ المستمر لجهات الضبط بالمديرية وجدنا تجاوباً في البداية ولكن تحركت اياد خفية لايعرف اتجاهها في احباط هذا التعاون وأصبحت بلاغاتنا في مهب الريح واستمر التخريب بصورة مخيفة أمام أعين الجميع رغم أن القلعة ليست ملك شخص أو هيئة معينة لكنها موروث حضاري للمديرية يجب الحفاظ عليه والشيء خير من عدمه.
تاريخ ضارب في الأعماق
الحيس بن يريم ذو رعين أحد الأقيال الذي سعدوا بالمشاركة في بناء المجد اليمني عهد التبع الأكبر أسعد الكامل الثاوي في عيمان «بني بهلول».
ومدينته تكاد تكون موقعاً عسكرياً، باعتبارها أول محطة يستقر فيها القادم من سلسلة «السداة» وهي الموقع العسكري العتيد لدعم المجهود الأمني لمدينة المخا..ذات الموقع المتميز عند المداخل الجنوبية للبحر الأحمر.
وكانت كورة واسعة كما وصفها «ياقوت» في معجم البلدان ومعناها بلغة العصر «محافظة» وكان من مسئوليها آواخر العهد الأيوبي وبواكير العهد الرسولي عميد الأسرة الرسولية على بن حسن بن هارون هذا هو الذي كان يحمل لقب «الرسول» بين شيخ المجاهدين أمير الموصل الشهيد العادل «نور الدين محمود» أستاذ «صلاح الدين» وكانت لها أهميتها في العهد الرسولي سواءً بسواء مع عاصمتها الأولى «الجند» والثانية «تعز» وفي ذلك يقول «ابن هتيمل»
وراسلتكم تعز من تذللها بالرغم وانتظرتكم حيس والجند
فلا عجب أن يوليها المظفر «يوسف بن عمر» العاهل الرسولي الأكبر اهتمامه البارز في أكثر من منشأة وفي مقدمتها منشأة «الجامع الكبير» العامر حتى اليوم والحمد لله وقد عهد إلى أميره البطل في حيس «مبارز بن برطاس» بإنشائه فأكمله كما هو مثبت في الجناح الغربي المشرف على صحن الجامع في شوال 682هـ.
وهو يشابه جامع أحمد بن طولون في القاهرة من حيث خلوه مع فخامته من أي عنصر خشبي، المؤسف أن هذا الجامع يشكو تفاقم التصدعات في جانبه الشمالي وتدعو أصحاب الاختصاص إلى انقاذ هذا الجامع قبل سقوطه وليس في إنقاذه تكلفة وخير البرعاجله ويجب الاسراع.
غياب في زمن الحضور
حيس الغائبة في أزمنة التاريخ القابعة تحت ركام النسيان، والغائبة في زمن الحضور أصبحت لاترى نفسها في مراته إلا بشكل رؤية ضبابية.. أبناؤها مصابون بالاحباط وتبقى حيس مهمشة ملامحها رغم أنها بلد الملوك ومحط الرحال..حاضرة تهامة فالآثار النقشية اشارت إليها منذ السبئيين والفينيقيين والحميريين والغزو الحبشي وهلم جرا إلى وقتنا.
الأستاذ الباحث في الموروث التهامي، عبدالجبار نعمان باجل ـ سوف يأخذنا في نزهة سياحية بين ثنايا الريف حيث يرقد تاريخ عريق، يصعد بنا إلى قمم جبل دباس شمال مدينة حيس ويعرفنا بصخرة هيجة عبيد قائلاً: الصخرة من نوع كوارتز تقريباً، مربعة مترين في متر لونها يميل إلى الصفرة وموقعها هيجة عبيد غرب قرية الضريبة المحاذية لجبل دباس.
والنقش الموجود عليها بشكل حفر هو عصا فرعون وزهرة اللوتس وبجانب منه بلون أحمر ارجواني «الشمس» وهو يمثل العلاقة المصرية اليمنية القديمة في عهد الفراعنة الذي استمر إلى القرن العاشر قبل الميلاد تقريباً.
وبعدها عرج بنا إلى قرية «السد» ضمن قرى جبل دباس، حيث يوجد سد قديم يحجز المياه الساقطة من مرتفعات دباس في حوضه وله حاجز قد تهدم ولم يبق منه إلا بعض الاشارات التي تدل عليه وبالنسبة لحوضه بعد تهدم الحاجز امتلأ بالتربة الطينية واستغلوه الأهالي للزراعة.
وسرنا مايقارب 30 دقيقة باتجاه الغرب من موقع قرية السد إلى محلة السفيلة حيث توجد صخرة بشكل مظلي عليها خطوط بلون أحمر ارجواني أحد حروفها أقرب للحروف الفينيقية منها إلى اليمنية القديمة.. اتجهنا إلى قرية كيدة حيث وجدنا صخرة مستطيلة طولها4أمتار محفورة من الأعلى إلى الأسفل يسميها الأهالي «قوز المال» ولكن ملأتها الأتربة ويذكرون أن فيها كنزاً من يحاول الحفر والعثور عليه يموت، وإلى الشرق من هذه الصخرة توجد كبة صخرية بشكل خيمة مستطيلة تفرز مادة سوداء تسمى «قار» يقابلك منها نقوش ارجوانية حمراء على امتداد وجهها الإمامي الذي يبلغ حوالي سبعة أمتار تقريباً تشتمل نقوشها على صورة الشمس والأوعال والنمر وغيرها من الحروف المسندة والدوائر ولكن نتيجة عوامل التعرية أحدثت فيها تصدعات فتفت معظم الجزء الشرقي منها وبعضه لازال محتفظاً ببعض النقوش وهو مستلق على الأرض وبعضها تفتت وذهب ادراج الرياح.
وبعدها عاد بنا إلى مدينة حيس..وفي صباح اليوم الثاني مع اشراق يوم حافل بالنشاط والحيوية قرر الذهاب بنا إلى قرية زوبل ـ حيث وجدنا دار درمة التي سمعنا عنها الكثير من القصص والحكايات.. ولعل هذه الدار مثيلة تلك الدار التي ذكرها الهمداني باسم داردورم في وادي ظهر إذ أن حروفهما متشابهة.
ريف جميل وتاريخ عريق
وفي قرية الكبيبة ومانعة هاتين القريتين من جبل دباس فيهما بعض المقابر التي يبلغ طول لحودها من 12ـ 14 قدماً ـ ونخاف من عبث الأهالي بها ولها حكاية لايتسع المكان لسردها..
تلك المواقع الأثرية والنقشية في عزلة جبل دباس.
ومازال «باجل» يطوف بنا في الأماكن الأثرية والنقشية يحاول ايضاح الصورة ولكن لا أحد يسمع .. هانحن في قرية البيضاء حيث تواجه الجيش اليمني مع الجيش الحبشي عام 525م حين دخل الجيش الحبشي اليمن عبر ميناء موزع ميناء الحميريين سابقاً، وقرية البيضاء تبعد عن حيس 10كيلو مترات بجنوب غرب المدينة.
ولكن جنوب شرق حيس تقطن «سوهرة» وهي التي ذكرتها النقوش ويوجد الكثير من الآثار والمباني القديمة التي لم تبق منها سوى بعض الاساسات مثل محل الداخلة،.. ومازلنا في اتجاه الشرق برفقة الباحث عبدالجبار باجل قطعنا مسافة خمسة كيلوات من حيس إلى قرية «السلامة» هذه القرية التي ورد ذكرها في الكثير من المصادر التاريخية كطبقات صلحاء اليمن،وطبقة فقهاء اليمن،والسلوك والعقود اللؤلؤية وغيرها وستكون لنا وقفة خاصة معها «السلامة» مدينة ذات أهمية تاريخية كبرى وخصوصاً في عهد دولة بني رسول وكانت مليئة بالمدارس والمساجد كما يفيد الديبع في «بغية المستفيد» وسكن بها العديد من العلماء والاعلام أمثال الجنيد والسراج وأبنائه وعلي بن أبي بكر الزيلعي الذي مازال قبره موجوداً بها، وسكن وتوفي فيها الولي الشهير علي بن الغريب.. ولكن «السلامة» امتدت إليها بعض الايدي الاثمة بالحفريات وسعت إلى عملية العبث والنهب بالطوب ونأمل من الجهات المعنية سرعة التحرك إلى المواقع الأثرية لانتشال تاريخ هذه المدينة من الثرى.
طبيعة ساحرة
حيس لوحة طبيعية تعبر عن نفسها بكل الألوان والتعبيرات والايقاعات المتعددة.
الاستيقاظ مبكراً يساوي ذهباً، في إشارة فلسفية بليغة على قيمة الوقت.. كأن ترى مجموعة من النساء يلتحفن رداء أسود، يسر عن الخطى نحو مقاصدهن بينما تطل عيونهن السوداء الواسعة من وراء.
واينما تولي وجهك في المدينة،تتنامى إلى مسامعك صدى إيقاعات موسيقية لنغمات ذات وقع خاص.
وفي وقت الظهيرة ،يتجمع الشباب في المقاهي «مقهاية الحليصي ـ ومقهاية شايع.. وو .. وقد تكون محظوظاً وتلتقي بوجه من الوجوة الادبية والفنية المشهورة.
ففي هذه المدينة يكون للهدوء طعم آخر والجلوس مع الذات في رحلة تأمل ومراجعة للنفس.
وتبقى مياه حيس حديث الشارع الحيسي ـ ففي أكتوبر 1995 بدأت منظمة أدرا في إقرار مشروع مياه الدئين بعد دراسة ميدانية، وفي 3 مايو 1999م كان اجتماع في إدارة المشروع الهولندي لمياه الريف بمحافظة الحديدة،ضم كلاً من مدير المشروع ومدير منظمة أدرا، وعضو مجلس النواب ورئيس فرع المؤتمر الشعبي العام بحيس، اشترط فيه الممولون تكوين هيئة تنفيذية للمشروع.
وفي 19 مايو 1999م عقدت منظمة أدرا اجتماعاً ضم كلاً من عضو مجلس النواب ومدير المديرية ورئيس فرع المؤتمر عرضت فيه نتائج الزيارة التي قامت بها أدرا من 11ـ 13 مايو 1999م إلى مشاريع الجهة الممولة في كل من إب والبيضاء، وفي 20 مايو 1999م،اتفقت تلك الجهات على تعيين عبدالرحيم حضرمي،والمهندس عبده خادم فاتش، ثابت طيرة، بعكر فيصل ـ أنيس قارة وآخرين كهيئة إدارية تنفيذية للمشروع ووقع المحضر عضو مجلس النواب،ورفض رئيس فرع المؤتمر ومدير المديرية مطالبين بأن يكونوا هم الهيئة التنفيذية للمشروع.