أفكار للاكتتاب
علي سعد الموسى
لا أظن أن معياراً اقتصادياً في تاريخنا حقق مستوى من عدالة الفرص أمام الجميع مثل ما يحققه سوق الأسهم. فعلى عكس الشرهات التي تذهب للنافذين والعوائد المالية التي تذهب للواصلين والقروض الصناعية والزراعية التي تذهب لأصحاب الأيادي الطويلة، يبدو سوق الأسهم معادلة مختلفة: من أقصى رفحا إلى أغوار الطوال، ومن أقصى المخواة إلى ساحل الجعيمة لا تحتاج المنافسة والمضاربة في سوق الأسهم إلا إلى عقل ذكي وأصابع تتعامل ببراعة مع الكمبيوتر المحمول لتشتري وتبيع، وتخسر وتكسب وأنت تحتسي الشاي بلا زحمة طوابير. سوق يبرز فيه الكل سواسية أمام الشاشة الإلكترونية بلا تمييز بين صغير وكبير، أنثى أو ذكر، واصل أو قاصر.
وبكل المقاييس، فنحن نعيش طفرة مالية مدهشة لم تتكرر حتى في الطفرة الثمانينية السابقة. حجم المال السائل في سوق الأسهم وحده أكبر من حجم المال السائل في أسواق الهند وماليزيا والصين، بل هو الآن في المرتبة التاسعة على مستوى أسواق الكون مجتمعة. صحيح أنه سوق يتضخم من زاوية، ولكن الزاوية الأخرى هي حجم المال وهنا مبعث التفاؤل. ما الفارق إذاً بين طفرة الأمس بالمقارنة مع طفرة اليوم؟ بالأمس لم نكن نملك بنية تحتية ذهنية تستطيع التعامل مع الطفرة ولهذا كانت الأموال تذهب للجيوب حشواً بالملعقة. أما طفرة اليوم فتحتاج بالتأكيد إلى مواطن ذكي. مواطن رقمي إلكتروني يستطيع الزحام بالعقل لا بالمعاريض والحبال الصوتية والحنجرة. مواطن يعتمد على كفاءته ومواهبه العصرية لا على الحكومة والهبات والشرهات والعوائد والمقررات. في الأسبوع الماضي، دخلت بالمصادفة إلى ندوة أسبوعية للتدريب على مهارات سوق الأسهم. أدهشني أن الوجه الأول الذي صادفته كان لأحد طلابي الشباب: كررت نظري فإذا الغالبية العظمى من المنتظمين من الجيل الواعد الجديد: كل واحد منهم يحمل الكمبيوتر المحمول وأجمل ما في هذا المنظر أنه يجرف من أمامه أجيالاً من حملة المعاريض. يقول أحدهم: من عشرين ألف ريال بدأت بها قبل عام، أملك اليوم رصيداً مكرراً عشر مرات تحدثت مع مجموعة من الشباب وكنت فرحاً أن أكتشف جيلاً بعقول مختلفة. هذه هي الأفكار التي تستحق التشجيع بالأفكار. تساءلت معهم: لماذا لا يقتصر الاكتتاب في الشركات الحكومية التي تطرح للقطاع الخاص كسابك وبناتها والاتصالات وأخواتها على أبناء هذا الجيل من دون الـ25 بالاحتكار كي يبدؤوا بها حياة جديدة. لماذا لا نعطي أبناء شهداء الواجب الوطني الذين سقطوا في ميدان الشرف ضد جحافل الجريمة والإرهاب حقاً لأن يكتتبوا بالقدر الذي يطلبون من أسهم هذه الشركات؟ هذا هو الجيل الذي يجب أن نستثمر فيه وأن نفتح له منافذ الاستثمار. عفواً أجيال المعاريض.
|