لمحته قادما وسط ضباب الذاكرة . قابعا كنت في ركن المقهى , أستعذب مرارة قهوتي ..كان يسير مع اتجاه الريح فأيقنت انه لن ينتبه لوجودي .. ملامحه لم تتغير لم ينحر الزمن أخاديده فوق الوجه ..
قامته القصيره ..بشرته الورديه .. أنفه المدبب .. شعره الفاحم .. و مشيته المختاله ..لكن مظهره تغير تماما .. الكلب (.الكنج شيبرد ) يتقدمه في خضوع , نظارته الريبان .. و بدلته (.الارماني ) .. و عشر سنوات باعدت بيني و بينه؟؟ تشعبت بنا الدروب و مضى كل في طريق ..
من ذا يفكر في احياء علاقة قديمه وسط زحام الحياه ؟؟ همومي تقصم الظهر فأنا اسير عكس اتجاه الريح .. احارب كي أصل الي المجله وسط زحام الاتوبيس الخانق .. كي أقبض مبلغا متواضعا مكافأه عن مقال يحث علي الكف عن أكل لحوم البشر ..!!
سألتني أمي الطيبه ..
- لماذا تسير عكس اتجاه الريح ..؟
- لابد من ضحايا يسيرون في عكس اتجاه الريح حتى لا تقوم القيامه قبل موعدها .. منذ قليل تمزق وجه حذائي من طول السير علي الاقدام ..و الجري وراء الاتوبيس .. الحذاء الجديد يتكلف أكثر من ثمن مقال .. و انا في حاجه الي حذاء و الا أحد يقرأ مقالاتي ...
تراجعت بالكرسي الي الوراء و أنا مفزوع .. رجني نباح الكلب .. و هو يقترب بفمه الواسع من ساقي ..
استجاب صلاح لنظراتي المستجديه و هو يقهقه , جذب السلسله فتراجع الكلب و استعاد تأدبه .. نهضت اصافح صلاح .. بدا انه سعيد حقا لرؤيتي .. لم يكن رواد المقهى سعداء بوجوده .. فالكلب يثير قلقهم و ينشر الفزع ..
ألغيت حاجز أعوام البعد و قلت بعفويه مصطنعه .
- افتقدتك كثيرا يا صلاح .. كل تلك الغيبه ؟؟
- عشر سنوا ت يا رجل ..!! الم تفكر في السؤال عني ؟رن هاتفه ..فاستأنني للرد عليه ..
هدنه خاطفه لأستعيد هدوئي .. فرض نفسه علي مجلسي كعادته القديمه ..كنت افكر له في اعوام ضياعه و حيرته .. المصادفه تجمعني به و كل الشواهد تقول انه امتطى بساط الريح .. ضباب ذاكرتي ينقشع قليلا ليفتح ثغره وسط غبار الماضي أنفذ منها الي الوراء ..
قلت له عندما استقال من الشركه التي جمعتنا ذات يوم ..
- من المؤكد ان لك هدفا تسعى اليه
رد بلهجه الواثق من المجهول
- لم احدد هدفي بعد
- هل هذا يعقل؟
- تحديد اتجاهات الريح اهم من تحديد الهدف ..
- كان الاجدى ان تؤجل استقالت حتى ..
قاطعني بعد ان سبق افكاري
- تحديد اتجاهات الريح يحتاج الي تفرغ و حريه كبيره ..
الفضول يقتلني , و هو ما زال علي الهاتف ..
اي وجهة قادته خطواته ..؟ و انا حددت هدفي قبل اتجاه الريح فلم يتعجل احد مقالاتي و لم افز بالربح الوفير .و لم تلاحقني رسائل القراء ..و هو فعل ما فعل فامتلأ ثقه و حيويه ..نشاطا و غرورا .. يقاوم الكبر و الشيخوخه السريعه .. في أي جُب اودعت فشلك القديم؟؟ أين صلاح المهمل سئ التقارير ..؟
عاد .. و كل رواد المقهى يتابعونه بفضول و اهتمام – او ربما يتابعون ذاك الكلب المثير للفزع –
تأسف ,, ثم جلس .. فقلت له فاتحا الحديث..
- واضح ان احوالك تغيرت
- حاول ان تنسي صلاح الموظف الفاشل , حتى لا تقتلك الدهشه - ماذا فعلت؟
- عدت منذ يومين من رحله طويله بالخارج
- سياحه؟
- سياحه و عمل
- في وقت واحد؟
- الناجح من يجمع بين المتعة و المال و النفوذ
- و الشهرة ايضا ..!!
- الشهرة تفسد الصفقات الرابحه .
- عاد يقول باستخفاف
- يبدوا انك من هواة الشهرة..!
- تجاهلت ملاحظته و قلت :
- ماذا تعمل الان ؟؟
- امتلك مصنعا للحديد ..
فضحني انبهاري .. دفعتني ريح عاتية الي الوراء .. يوم كنت اتحاور انا و زميلي الكاتب ممزق الحذاء مثلي ..
- يوشك صبري ان ينفذ .. لن أحتمل مشقة العمل بلا عائد مجزٍ
- لا شئ يتغير الناس هم الناس ... و كلماتنا أشبه بالدخان
- غير طريقك و ابحث عن العائد السريع
- لا فرصة .. و قد استهلكني الطريق الاخر
- كلانا قابع في خندق واحد
- يوشك الخندق ان يطبق باسنانه علينا ..
- من الحكمة ان نواصل طريق الاستشهاد حتى لا نفقدد كل شئ ..
حملتني الريح و عادت بي الي مقعدي و حديثي مع صلاح ..
فسألته ..
- هل هو مصنعك وحدك ..؟
رد و هو يداعب كلبه ..
- انا و اخي ..
- تجاوزت السحب الي النجوم ..!
- لا افهم كلام الكُتَّاب
بدا كمن تذكر فجأة شيئا هاما .. فسألني باهتمام ..
- هل اصبحت كاتبا كما كنت تحلم؟؟
لم اتمالك نفسي من الضحك .. دمعت عيناي .. و اعتراني خجل عجيب ؟؟
بدوت كمن أحمل كفني فوق كفيّ و اتقدم لصلاح طائعا مختارا أعلن توبتي و انتظر قرار العفو .. قلت باقتضاب
- دعك من الحديث عني الان
عاد يقول بالحاح
- سمعت انك تركت الشركه لتصبح كاتبا كبيرا .. اليس كذلك ؟؟- هذا ما حدث
عدت اغير مجري الحديث بسرعه
- حدثني عن تجربتك ..
- هل تذكر الاستاذ مجدي رئيس القسم الذي كنا نعمل فيه ؟؟
- انقطعت صلتي به بعد ان تركت الشركه
- قابلته مصادفة منذ اشهر
- كنتما مثل القط و الفأر .. لا تكفان عن الشجار .. هل تذكر ؟؟
- أصبح رئيس مجلس اداره الشركه
- كان انتهازيا عظيما
- أنتم هكذا دائما تحقدون علي الناجحين ؟؟
قلت بدهشة
- هل تدافع عننه ؟؟ لم تكن تطيق سماع اسمه !!!
- هو من اعز اصدقائي الان
سألته و انا مذهول
- كيف حدث هذا ..؟ و أيه صداقه ..؟
- يدير لي قسم التسويق في المصنع ..
عدت استوضحه بلهفه
- و هل ترك الشركه ؟؟
- كان شرطي الا يتركها اذا رغب في العمل معي
- و كيف قبل العمل معك؟؟
- مرتبه لا يكفيه
- ,, و هل سيستطيع الجمع بين الوظيفتين ؟؟
- هذه مسائل محلولهت
منيت ان امتلك الشجاعه فاعترف ان مرتبي لا يكفيني ..انا الاخر
ثم عاد يقول ..
- اتفقت و انا في الخارج علي معدات مصنع للورق
- و هل تستطيع ان تدير كل تلك المشروعات
- ابحث عن مدير له ..
قالها و في عينيه تلميح .. واضح لم اتوقف عنده كثيرا
- وفقك الله .. انجازات تحتاج عشرة اعمار
- اانجزتها في عشر سنوات
- معجزة بكل المقاييس
- سر النجاح في تحديد اتجاه الريح
- حكايتك تحتاج الي جلسه طويله
- خذ عنوان شقتي الخاصه و لنحدد موعدا و نتقابل لنكمل الحديث..- عليك اذا ان تعد الاجابات لأسئله كثيره ..
- يمكنك ان تسألني اي شئ الا شيئا واحدا ..
قلت بلا تردد
- ما هو ؟
- لا تسألني كيف حققت المليون الاول ...؟
- نظرت في ساعتي تهيأت للخروج من بللوره صلاح السحريه لارجع علي الرغم مني الي عالمي الصغير .. اواصل الجري وراء الاتوبيس لاحصل علي مكافئتي المتواضعه ... – ماذا لو كتبت عن عالم البللوره السحريه ؟؟- و صوت صلاح داخل رأسي يسألني بسخريه ..
- كشريك ام كشهيد ؟؟
أخرج من جيبه كارتا انيقا .. اخدته و انا ابالغ في التعبير عن سعادتي بهذا اللقاءالمثير.. لم تنطل عليه مبالغتي .. و قال بهدوء كسكين بارد ..
- فرصتك لم تضع ..
- أيه فرصه
- أنا ابحث عن مدير لمصنع الورق
انطلقت مني ضحكه ساخره .. تمثلت في ذاكرتي صوره المهرج الذي يكسب قوته من القيام بعدة ادوار لاضحاك المتفرجين ..
قلت و انا اقاوم فكرة المساومه ..
- تراجعت كل فرصي لتغيير الطريق
- من قال انك ستغير طريقك
تراجعت بسرعه
- يبدو انني أخطأت الفهم
- انا اعرض عليك اداره مصنع الورق ..بشرط الا تتنازل عن قلمك ..
اختلطت الامور داخل رأسي ..و اغراني الحيث فقلت :
- فيم يفيدك؟؟
- ينقصني قلم كاتب كبير مثلك ..
ارتسمت علي شفتي – مشروع – ضحكه ساخره مُرّه
- يبدوا انك من هواة جمع التحف
- التحف اهم ما يميز القصور .. هل تعرف ما ينقصك ؟؟
- و هل اصبحت تعرفني الي هذا الحد ؟؟
- هي عين التاجر الذي يعرف ماذا يشتري .. و لمن يبيع
استيقظ داخلي عناد المتمرد الضعيف .. رغبت في التخلص من سطوته فقلت مناورا ..
- سنتكلم في ذلك عندما ازورك في شقتك .
تابعته بنظراتي الحائره و هو يغادر المقهى ... و كل من بالمقهى ايضا تابعه باهتمام ... نهضت من مقعدي و انا اسمع انين اقدامي المللتهبه ... و اتذكر قول امي الطيبه ..
- لماذا تسير عكس اتجاه الريح ..؟ و اتذكر ردي عليها ..
تحاملت علي نفسي و انا اغادر المقهى ..
لم يكن احد من الرواد يتابعني ...