أن تتحدث عن دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، قد يكون حلما بعيد المنال في نظر الكثير من الساسة في وقتنا الحالي، فكلهم يتحدثون عن ضرورة القبول بالأمر الواقع، والاعتراف بما يسمى "دولة إسرائيل"، والاعتماد على "الخيار" الذي وصفوه بأنه استراتيجيا، وهو ما يسمونه بالسلام، ولما كنا في زمن انقلبت فيه كل المفاهيم، فقد كان من الطبيعي أيضا أن تأتي الأشياء من غير موطنها، حتى ولو كان المكان الذي تأتي منه هو إسرائيل نفسها.
حيث قرر المؤرخ الإسرائيلي "إيلان بابه" مغادرة "إسرائيل" والإقامة في بريطانيا احتجاجا على الأجواء العنصرية داخل "إسرائيل" متهما "المجتمع الإسرائيلي" بأنه عنصري وانعزالي وعاجز عن فهم تاريخه وعن الاعتراف بجرائمه وأنه يصعب التأثير عليه من الداخل، وقال "بابه" إنه "على المؤرخ والمثقف أن يكون قادرا على إدارة حوار مع مجتمعه، ويبدو لي أنه بعد الحرب الثانية على لبنان بل قبل ذلك فَقَد أشخاص أمثالي ما هو مشترك مع السواد الأعظم من المجتمع اليهودي الإسرائيلي".
"إيلان بابه" الذي كتب كتابا بعنوان "التطهير العرقي في فلسطين"، كان قد فجَّر مؤخرا في محاضرة له في الولايات المتحدة عن الصهيونية قنبلة من العيار الثقيل حين تحدث عن "التطهير العرقي" الذي قامت به العصابات الصهيونية في فلسطين منذ عام 1948، الأمر الذي أثار ضجة كبيرة ضده في إسرائيل، خاصة بعد أن نشرت القناة السابعة الإسرائيلية مقتطفات من المحاضرة.
إيلان بابه
وقد تحدث د."إيلان" الذي يعمل أستاذا للتاريخ والعلوم السياسية بجامعة حيفا عن عملية التطهير العرقي التي انتهجتها العصابات الصهيونية لإقامة دولتهم المنشودة على أرض فلسطين، قائلا: "القيادة الصهيونية طردت المواطنين العرب بشكل منظم. بن جوريون هو الذي فكر وخطط لعملية التطهير العرقي ضد العرب في 1948، ويتضح ذلك من الملاحظة التي كتبها في الخمسينات وتقول "يوجد عرب أكثر من اللازم في الجليل"".
وعن عنصرية الصهيونية أكد د."إيلان" في محاضرته أنه "في اللحظة التي أعلنت فيها فلسطين أرضا مخصصة لليهود، بدأت الصهيونية كمشروع استعماري مستمر حتى اليوم، ولو أنكم سألتم أي يهودي في إسرائيل سيقول إن العائق أمام حياة أفضل هو وجود الفلسطينيين. 80 % من أعضاء الكنيست يشاركونهم أفكارهم، وعلى حد قولهم فإنه طالما أن هناك فلسطينيين في فلسطين، فلا يوجد هناك مكان آمن للصهيونية كحركة قومية".
وتحدث د."إيلان" عن الفكر الصهيوني القائم على طرد شعب بأكمله من أرضه قائلاً: "الصهيونية بغيضة فكريا وأخلاقيا.. مع بداية الهجرة إلى فلسطين، القيادة الصهيونية لم تكن تعلم كيف سيتم طرد الفلسطينيين، ولكن بعد ذلك تبلورت الكلمات بواسطة بن جوريون إلى خطة عملية لتطهير فلسطين عرقيا، وطرد المواطنين الأصليين من الأرض".
وأضاف د."إيلان": "سياسات إسرائيل منظمة لعمل فلسطين بلا فلسطينيين، وهي مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، وتستمر إسرائيل في سياسات التطهير العرقي وطرد الفلسطينيين بدون أن تقابل بأي إدانة على أفعالها".
كما أكد أن "11 زعيما صهيونيا التقوا في 10 مارس 1948 بعد الإعلان عن انتهاء الحماية البريطانية، قرروا بدم بارد تنفيذ تطهير عرقي في فلسطين لإقامة دولة لليهود، كان هناك في فلسطين مليون عربي، طرد 800 ألف منهم بشكل مماثل لعملية التطهير العرقي التي مورست في يوغوسلافيا".
كما أكد "بابه" أن "القيادة الصهيونية قامت بجرائم ضد الإنسانية. هؤلاء القادة مجرمون، حيث كانوا يعلمون جيدا ماذا كانوا يفعلون، وكانوا يعلمون أنهم سيقومون بأعمال قتل لآلاف الفلسطينيين، والعالم كله يتجاهل هذه الجرائم ضد الإنسانية حتى اليوم".
"القيادة الصهيونية عززت المهاجرين الذين أتوا إلى فلسطين بكل متطلبات الحياة، في حين تصور الفلسطينيين على أنهم قنابل بشرية وتهديد بشري، يقولون لكل من سيكون على مقربة من الفلسطينيين أن يفعلوا معهم كل شيء، حتى تلك الأشياء التي فعلها الألمان ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية.. الأيديولوجية الصهيونية بغيضة، ويجب أن نقول ذلك طالما أن رد الفعل العربي سيكون ناقما على التطهير العرقي، ومهم جدا أن نرسل رسالة إلى إسرائيل مفادها: طالما ستستمرون في دولتكم، فلن يكون لكم مكان بين الدول المتحضرة".
وأكد بابه - المعروف بموقفه الداعي إلى إقامة دولة ثنائية القومية في فلسطين كحل للصراع- أنه يصعب جدا التأثير على الإسرائيليين من الداخل قائلا: "كما أنه من الصعب بحث التاريخ وسط ضغوط السلطات، أرجو أن أواصل كتابة تاريخ البلاد في مؤسسة أكاديمية أكثر انفتاحا ونزاهة".
وعن رأيه في ما يدور على الساحة الفلسطينية قال د."إيلان": "فقط عندما يشترك اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات والمنافي وداخل إسرائيل في القيادة ويساهمون في صياغة إستراتيجية مستقبلية، يكون بمقدورنا نحن أصدقاء الشعب الفلسطيني التحرك بنجاح وممارسة الضغط الكبير على إسرائيل من الخارج؛ بغية إنهاء الاحتلال، والعمل من الداخل لبناء مستقبل مشترك".
نقلاً عن
بص وطل>>> خمسة جد>>> صحصح معانا