ربمــــــــــا . . .
[1]
كانت الحياة قد فقدت كل مظاهرها - فى غفلة منها - منذ زمن بعيد . . و لغفلة منى ، ظللت أعتقد أنها حياة . . أتجاهل ما اعتراها من تحول . . وأحاولأن أبتعد بها عن هاوية الموت .
هكذا رفضت أن أعترف بالحقيقة . . و جاهدت حتى أتمكن من مجرد العيش على شفا حفرة النار . . ألسنة اللهب الثائرة . . الجوعى . . تلهب جسدى ، فلا هو احترق وتفحم . . ولا هو سلم من لفحة النار المتعطشة دوما الى رائحة الشواء .
حاولت أن ألملم أشتات ذكرياتى . . و أستدعى أحداثها الجميلة . . أتلمس فيها بعض السلوى و العزاء .
أيقنت أن الألم يلتهم كل ما عداه . . فالذكريات التى تحمل فى طياتها أحداثا حلوة - كنت أحفظها عن ظهر قلب - لم يعد لها نفس المذاق . .
و اكتشفت أن أحلى ما أمتلك من الذكريات . . لم يعد قادرا على أن يطبب مرضى ، أو يشفى علتى . . بل انه يوقظ آلام الفراق . . و يضاعف وحشة الوحدة . . ويقتل أدنى أمل فى النسيان .
[2]
قال " الكاذب " الذى يقبع فى داخلى ( و كان صادقا فى قوله ، لكونه كاذبا بفطرته ) :
ـــ لقد استسلمت . . ورضخت للأمر الواقع . .
و هذا أفضل جدا .
و يتشبث " الطفل " الصغير بتلافيف أحشائى ، ويتلعثم :
ـــ آه . . لو أراها لمرة أخرى . .
و هذا يكفى جدا .
و ينهرنى " الصادق " - الذى كان يتابعهما بعناية - بصوته القوى الواثق :
ـــ ان ذاتك مغيبة عنك بما يعتورها من آلام الشوق . . و ما يسيطر عليها من عذاب الحنين ، فأنت لا تدرى يقينا من صاحب
المقولة الأولى ومن صاحب الثانية . . الكاذب دائما ، أم الطفل الصغير !!
و بؤكد " العاقل " الذى يتجول أحيانا فى أعماقى :
ـــ لا تأمل أبدا فى معرفة الحقيقة ، اذا كان أحد الطرفين كاذب ، و الآخر طفل عابث .
و يتنهد " العاشق " الذى يمتلك اقطاعية كبيرة فى ذاتى :
ـــ دعونا من السفسطة . . فالأهم أننى ضممتها الى صدرى مرة أخرى ، و طوقتنى ذراعاها الرشيقتان . . . فسكنت آلامى . .
و عادت الى حياتى . . أرسلتها أناملها الرقيقة الى عنوانى .
و يتمتم " اليائس " :
ـــ أيها الغرير الحالم . . تذكر دائما أنه لم يعد لك لديها عنوان . . انها محض صدفة ، لا تحدث الا لمرة واحدة .
وينخرط " الطفل " فى البكاء :
ـــ لكنها تعرف أننى أحتاج اليها . . ولن تتخلى عنى أبدا ، فهى تعلم أننى أحبها بفطرتى . .
مؤكد هى تعلم ، فالمشاعر الأصيلة تخترق السدود . . و تنفذ عبر كل الحدود .
و يحتد " الصادق " و هو يعنف " الطفل " الغرير ، و يعيره بسذاجته :
ـــ ظنك غير قابل للتداول فى هذه الدنيا . . ربما كانت أفكارك تنتمى الى " يوتيبيا " الأطفال ، و لا علاقة لها بعالم البشر .
و يتدخل " العاشق " فينهر جاره " الصادق " :
ـــ و هل انت أفضل من هذا الطفل البرئ الذى يعيش فى مدينته الفاضلة ؟! . . أنت أيضا أسير أنماط صارمة ، لا تعرف العواطف
. . و لا تعترف بالمشاعر . و مع أنكما على طرفى نقيض . . فكلاكما يعيش فى عالمه الخاص .
[ 3 ]
و تتعالى الصيحات ، و تشتبك الأيدى فى عراك أبدى . . و يتبادل الجميع الصفعات و الركلات و اللكمات . . بلا هوادة . . و دونما كلل أو فتور . . و يعلو صراخ " الطفل " المذعور . . .
[ 4 ]
و لم يستطع أى منهم أن ينتبه الى صوت هامس يقول :
ـــ لن أعود الى هنا مرة أخرى . .
كان الصوت المرتعش ينبعث من بين شفتيها ، وهى تسارع بالافلات من بين ذراعىّ المتشنجتين . .
و لم يتبين الجميع من الذى كان يتكلم من داخلها . .
ربما كان " الصادق " . . أو " الكاذب " . . أو الطفل الصغير . .
ربما . . مجرد ربما . .
فكل الأصوات تتشابه عند " الأصم " . . الذى كان يشغل ساعتها كل كيانى .