كان الخميس 14 يونيو 2007 يوما حزينا آخر في لبنان، ولعل السبب المباشر في ذلك هو خروج قوى الأكثرية لتوديع نائبها "وليد عيدو" وابنه "خالد"، فضلا عن قرابة عشرة آخرين بعد أن تم اغتيالهم قبل ذلك بيوم واحد بأحد شوارع بيروت، مما دفع الحكومة اللبنانية إلى إعلان الحداد العام يوم الجنازة.
توقيت الاغتيال
وبالرغم من أن لبنان شهد عدة اغتيالات منذ فبراير 2005 (تاريخ اغتيال رئيس الوزراء "رفيق الحريري"، والذي أسهم في حدوث أزمة داخلية في البلاد لا تزال تعاني منها حتى الآن)، إلا أن الاغتيال الأخير يكتسب أولوية خاصة ليس بسبب الأهمية السياسية لـ"وليد عيدو" مقارنة بـ"الحريري"، فبالطبع "الحريري" هو الأكثر أهمية، كما أن "عيدو" يعد أحد أتباعه، لكن الأهمية ترجع إلى توقيت الانفجار، والذي جاء بعد ثلاثة أيام فقط من دخول قرار مجلس الأمن رقم 1757 بشأن تشكيل محكمة خاصة لمحاكمة قتلة "الحريري" حيز النفاذ، وهو القرار الذي استند للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز للمجلس اتخاذ الإجراءات اللازمة بما فيها استخدام القوة العسكرية في حالة عدم تعاون أي من الأطراف المعنية مع المحكمة، كما أنه يأتي بعد أيام قليلة من مبادرة فرنسية بشأن عقد اجتماع بين تياري الحكومة والمعارضة لتسوية الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد.
ومعنى ذلك أن عملية الاغتيال ستنسف هذه المبادرة -ولو إلى حين- بسبب تمسك قوى الأغلبية بتفعيل المحكمة التي أقرها مجلس الأمن، وهو بالفعل ما طالبت به الحكومة حينما دعت إلى أن تبحث المحكمة في عملية اغتيال "عيدو". وهو الأمر الذي تعترض عليه قوى المعارضة وفي مقدمتها حزب الله الذي يعتبر المحكمة بمثابة تدويل للأزمة وإعطاء فرصة للتدخل الخارجي في شئون البلاد، وهو أمر مرفوض من وجهة نظر الحزب، وليس معنى ذلك أنه يعترض على فكرة المحكمة أو أنه يؤيد عمليات الاغتيال، فقد أدان الحزب عملية الاغتيال الأخيرة، إلا أنه يطالب بالتحقيق في هذه الحادثة وغيرها أمام القضاء الوطني.
الأغلبية.. كيف استفادت من الحادث؟
وبالرغم من أن قوى الأغلبية طلبت من أنصارها الهدوء وعدم اللجوء إلى العنف، إلا أنها عملت على توظيف هذا الحادث لصالحها من عدة زوايا أهمها ما يلي:
أولاً: تثبيت اتهام سوريا بالمسئولية عن الجريمة وصلتها بمسلسل الجرائم الأخرى، وهو ما ظهر -تلميحا- في حديث رئيس تيار الأغلبية "سعد الحريري" -وتصريحا- في حديث وزير الاتصالات "مروان حمادة" الذي اتهم سوريا مباشرة بأنها المسئولة عن عملية الاغتيال، خاصة وأن "عيدو" كان من أشد المعارضين لدمشق.
ثانيا: توسيع دائرة الضغوط الخارجية على دمشق، هذه المرة من خلال الجامعة العربية، حيث تمت مطالبة الجامعة بالتدخل لإنقاذ لبنان، واتخاذ مواقف حاسمة ضد النظم المؤيدة للإرهاب تصل إلى درجة قطع العلاقات معها.
ويلاحظ هنا أن قوى الأكثرية ترغب في إشراك العرب هذه المرة في عملية التدخل بعدما ظلت تهمش الدور العربي خاصة فيما يتعلق بموضوع تشكيل المحكمة، بل إن أحد الانتقادات التي وجهت إليها هو عدم الدعوة لتشكيل محكمة عربية بدلا من المحكمة الدولية. ويبدو أن قوى الأكثرية عملت على تفادي هذه الانتقادات هذه المرة، فدعت الجامعة إلى التحرك الفوري في اتجاه محدد وهو إدانة سوريا وقطع العلاقات معها. ولعل هذه الخطوة تعد بالغة الخطورة، لأنه لو صدر -فرضا- قرار عربي بإدانة سوريا، فسوف يتسبب ذلك في حدوث أزمة سياسة بين سوريا والعرب تضاف لمجموعة الأزمات التي تعاني منها الدول العربية خاصة في فلسطين والعراق والسودان، كذلك سيؤدي هذا القرار -حال صدوره- إلى إعطاء المبرر لمحكمة "الحريري" بمقاضاة قادة النظام السياسي السوري استنادا للفصل السابع، وهو ما قد يعني حدوث مواجهة عنيفة بين سوريا والأمم المتحدة هذه المرة.
ثالثا: دعوة مجلس الأمن إلى إصدار بيان يدين الحادث، فضلا عن مطالبته بضم حادث الاغتيال الأخير إلى سلسلة الحوادث التي ستنظر فيها المحكمة الدولية وبالفعل انتهزت الولايات المتحدة وبريطانيا الفرصة من أجل تحريك مجلس الأمن في هذا الاتجاه. ولا شك أن صدور قرار مجلس الأمن سيثبت المحكمة ويجعلها غير قابلة للنقاش.
رابعا: تحميل قوى المعارضة مسئولية تدهور الأوضاع في البلاد، بالرغم من أن المعارضة تحدثت خلال الفترة الأخيرة عن تشكيل حكومة وحدة وطنية، وكانت هناك مشاورات في هذا الشأن.
خامسا: العودة إلى تحميل رئيس الجمهورية مسئولية عرقلة "قيام الدولة" بأداء وظائفها، وذلك من خلال تحميله مسئولية عدم إجراء انتخابات فرعية لانتخاب نواب جدد بدلا من النواب الذين تم اغتيالهم (بلغ عددهم خمسة نواب يتبعون تيار الأغلبية)، حيث ترى أن تراجع عدد نوابها في البرلمان يعد محاولة من الرئيس لعرقلة اختيار خليفة له بعد انتهاء مدته الدستورية في سبتمبر القادم، إذ أن البرلمان هو الذي يختار الرئيس ولكن بأغلبية الثلثين، وفي حالة عدم حدوث ذلك يفترض أن يقوم الرئيس بتسليم الحكم إلى الحكومة، لكنه صرح بأنه لن يفعل ذلك لأن هذه الحكومة غير دستورية على اعتبار أن وزراء حزب الله انسحبوا منه .
وعليه يبقى السؤال قائما
"من وراء هذا الحادث؟" هل هي سوريا بالفعل؟ أم قوى الأغلبية ذاتها لتحقيق أهدافها السابق الإشارة إليها؟ أم لا هذا ولا ذاك، وإنما قد يكون الأمر مرتبطا بجماعة فتح الإسلام التي هددت بنقل المواجهة مع الجيش من إطار مخيم نهر البارد إلى كل لبنان؟ أم أنه الموساد الإسرائيلي بالتعاون مع المخابرات الأمريكية من أجل إعطاء مبرر لتمرير المحكمة من ناحية (الهدف الأمريكي)، والتشفي في لبنان وإمكانية توجيه ضربة إسرائيلية عسكرية جديدة له في ظل التداعي الداخلي وتعوض هزيمة الصيف الماضي من ناحية ثانية (هدف إسرائيل)؟
كل الاحتمالات تبقى واردة..
نقلاً عن
بص وطل>>> خمسة جد>>> صحصح معانا