طبيعه العلاقه بين المسيحيون والمسلمون
حمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وأسأله عز وجل أن يلهمنا الرشد، وأن يقينا فتنة النفس والهوى، وبعد: فسأبدأ حديثي بعرض موجز للواقع التاريخي لحقيقية التعايش بين المسلمين والمسيحين ، ثم أنتقل منه إلى بيان المشكلة القائمة، ثم أضع بين أيديكم الحلّ المقترح وهكذا فإن حديثي لن يكون وصفاً مجرداً لواقع، بل سأحاول أن أجعل من الوصف مقدمة للعلاج
أما الواقع التاريخي فيقول: لم يستخدم الدين مرة لمأرب سياسي، إلاّ عاد ذلك بالوبال على الدين وأصحابه، وعلى العلاقة السارية بينهم وبين مواطنيهم أو مجاوريهم من ذوي الأديان الأخرى ولو أردنا أن نصغي إلى حديث التاريخ، وهو يترجم هذا الواقع ويستنطق بذلك أحداثه، لاستنفد منا وقتاً طويلاً، ولما تأتي تسجيله إلا في مجلدات ولقد نظرت وتدبرّت.. فلم أجد مايدلّ على أن هذا الواقع ينطبق على الإسلام دون المسيحية أو على المسيحية دون الإسلام، أو يتحيز في هذا لدين دون دين
بل الذي دلت عليه شهادة التاريخ، أنه لم يوضع أي من الإسلام أو المسيحية أو اليهودية، في عهد من العهود في ميزان الرؤية السياسية، إلا وتحوّل في أيدي أصحاب هذه الرؤى إلى ورقة هامة نادرة، يحقق اللعبُ الماهر بها نتائج سياسية لأصحاب النفوذ والمصالح، قلما تقوى أي وسيلة أخرى على تحقيقها
أعني بهذا أن المسيحية، على سبيل المثال، لم تَـفُـزْ كحليف مُنفَضَّل، لذاتها، في نظر الساسة الغربيين قديماً أوحديثاً، وإنما اختيرت دائماً في هذه المنطقة، بوابة يجتازون منها، أو سلاحاً يقارعون به، غير مبالين بمصير هذه البوابة أو بما يصيب هذا السلاح بعد ذلك وما يقول التاريخ في هذا عن المسيحية، هو ذاته الذي يقوله عن الإسلام ولأضرب الآن بعض الأمثلة الحية، لتجسيد هذه الحقيقة، ولمزيد من التبصير بها إليكم أولاً من الأمثلة التاريخية هذه الصورة القاتمة
هناك اضطهاد، بل مأساة، منيت بها المسيحية على يد السياسة والسياسيين، ذاك الذي جرى على يد الدولة البيزنطية قبل الإسلام، والذي استمر مدة قرنين من الزمن ومن المعلوم أن الدولة البيزنطية تبنت المسيحية ديناً رسمياً لها، في القرن الرابع بعهد الإمبراطور تيودوسيوس. وقد أشاع ذلك لدى المسيحيين أن هذا الحدث الهام سينهي ذلك التاريخ الطويل من الاضطهاد الذي مني به المسيحيون على أيدي الرومان ولكن سرعان ماتبيّن أن اعتناق الرومان للدين الجديد، إنما كان بدوافع سياسية تهدف إلى بسط الدولة نفوذها على هذه المناطق بأسرها، وأن تتمتّع فيها بقدم راسخة وسلطان متين وهذا هو الذي دعاها إلى أن تعتمد طبعة خاصة بها عن هذا الدين، على حدّ تعبير فيكتور سحاب، وإلى أن تفرض من هذه الطبعة الخاصة مذهباً لها تفرضه على شعوب المنطقة كلها، مصرّة على إخفاء كل المذاهب المسيحية التي تخالف مذهبها الرسمي هذا ولم يتوقف اضطهاد بيزنطة للمسيحيين العرب، وكان جلهم من اليعاقبة، إلا عندما امتدّ الفتح الإسلامي إلى مصر وفي ظل هذا الفتح، وبسعي من الدولة الإسلامية، تم عقد الصلح بين القلة من الخلقيدونيين الموالين للرومان والكثرة الكبرى من اليعاقبة الذين لقوا النكال على أيدي الرومان. وقد سجل التاريخ كيفية انعقاد هذا الصلح بمساعي الدولة الإسلامية وباهتمام شخصي من معاوية بن أبي سفيان
أما الآن، فإليكم هذه الصورة المناقضة
جاء الإسلام، بل جاءت الدولة الإسلامية، فكانت أكثر اتساعاً للمسيحيين العرب من الدولة المسيحية البيزنطية والسبب في ذلك أن الدولة الإسلامية دأبت على السير تحت قيادة الدين، ومن ثم فقد كان عليها أن تستخدم السياسة لسلطان الدين، على النقيض من عدم اكتراث الدولة البيزنطية بالدين، ومن ثم سعيها إلى استخدامها الدين للسياسة
ونظراً إلى أن من أبرز مبادئ الدين الإسلامي أن من حق الشعوب الخاضعة لسلطانه أن تحافظ على معتقداتها وتقاليدها وموروثاتها، وأن على الدولة الإسلامية أن تكون عوناً لتلك الشعوب في حماية ذلك كله، فقد كان لابدّ لسياسة الحكم الإسلامي أن تكون متماشية ومنسجمة مع هذا المبدأ
وعلى الرغم من أن هذه الحقيقة مقررة في القرآن وفي السنة النبوية المطهرة، ومجسّدة تطبيقاً في حياة الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، فإنه ليطيب لي أن أستشهد في ذلك بما ورد فى قصة الصحابى عمر بن العاص من أمر قطعة الأرض الذى أخذها من أحد الاقباط المصريين ، وكيف اشتكى الى الخليفة عمر بن الخطاب وكيف أخدذ حق المسيحى المصرى من خليفة الخليفة فى مصر وكيف كان هذا العدل لدخول معظم الاقبط ان ذاك فى الاسلام ولقد جاءت أحداث الفتح الإسلامي، ثم جاء واقع النظام الإسلامي الذي انبسط سلطانه على هذه البلاد، بعد انحسار المدّ البيزنطي عنها، تصديقاً وتجسيداً لهذا النهج الاخوى الصادق بين المسيحين والمسلمين وهكذا عندما استجاب عمر بن الخطاب لرغبة أهل إيلياء، ودخل القدس، وكتب كتاب الصلح المعروف، أقبل إلى الأتربة والأوساخ المتراكمة فوق الصخرة، يزيحها بردائه، فأقبل من حوله من المسلمين والمسيحين يسابقونه إلى ذلك... ثم اتجه إلى حيث القمامة المتراكمة بفعل اليهود وبوحي من الرومان فوق مكان كنيسة القيامة، فباشر إزاحة القمامة عنها بنفسه، وماهو إلا أن أقبل كل من كانوا حوله يسابقونه إلى العمل ذاته فما أعظم تصرف عمر بن الخطاب الذى وضع حجر اساس التآخى الانسانى والجوارى بين المسلمين والمسيحين وهكذا فقد كان عمل عمر بوحي من شرعة الإسلام وحكمه، مدّ جسور التآلف والقربى بين الديانتين، على حين كانت سياسة بيزنطة ترمي إلى تعمق مشاعر الكراهية وأسباب الوقيعة بينهما
وبعد... فما العلاج؟
أولاً: ينبغي أن نعلم أنه علاج واحد لكل من المسلمين والمسيحيين أينما كانوا.. إذ إن الخطر الذي يحدق بالجماعتين خطر واحد
ثانياً: يجب أن نستبعد عند التفكير بنوع العلاج أطروحة (العلمانية) التي تراود أذهان بعض الناس، ذلك لأن هذه الأطروحة جزء من الخطة الكيدية المرسومة إذ هي تمثل من وجهة نظر الغربيين إحدى الضمانات لتفكيك مجتمعنا العربي الإسلامي، وتبديد نسيجه الحضاري الجامع والمؤلف كما قلنا بين شطريه الإسلامي والمسيحي، وكم قرأنا في ذلك تقارير خفية وكتابات معلنة
ثالثاً: إن العلاج ـ في كلمة موجزة جامعة ـ هو أن نسمو بمعتقداتنا الدينية إسلامية كانت أو مسيحية إلى صعيد التحرر من التيارات السياسية الوافدة، بل إلى مستوى القيادة الحقيقية التي تستخدم الرؤى السياسية لمصلحتها وحسابها، وذلك بدلاً من أن نمكن الآخرين من الهبوط بها (أي بعقائدنا الدينية) إلى خدمة التيارات السياسية واللحاق بها
إنه لخطأ قتّاك أن تنقاد جماعة أو مؤسسة إسلامية كبرت أو صغرت، وراء تيار سياسي وافد أياً كان مصدره ونوعه، وأن تجعل من معتقدها الديني خادماً يدور على محور ذلك التيار!... إن ذلك يعني أن الدين قد غدا في مجتمعاتنا هذه منبراً يتربع عليه سلطان السياسة الغربية الماضية في العمل على المزيد من تفتيتنا. ثم في العمل على تحويل أوطاننا هذه إلى حقول تزدهر بمصالحها، ومقبرة تدفن فيها حقوقنا بعد أن دفن فيها وجودنا الحضاري
ولكن ما الضمانة التي تمكننا جميعاً من التسامي فوق هذا الخطأ القتال؟
الضمانة أن يكون كل منا صادقاً في يقينه الإيماني والاعتقادي، فمهما توافر هذا الصدق في المعتقد الديني، وُقي صاحبه التورط في هذا الخطأ.ومهما غابت مشاعر الصدق تجاهه، وحلّت في مكانها المشاعر والدوافع التقليدية، غابت معها الوقاية اللازمة، وحّل في مكانها الفراغ الأيديولوجي الذي لابدّ أن يستقبل مغريات الأنشطة السياسية التي تُزهق القيم وتذيب قوالب تماسك الأمة، ثم تَنْثُر وتفكك كيانها المتآلف لتتحول إلى فئات متنافرة شتى تتيه في بيداء الضياع
فإن عز علينا استعمال هذا العلاج، فلن يعزّ علينا صدق الالتجاء إلى الله. ولانشك أبداً في أن العبد المملوك إذا صدق ربّه المالك في الطلب والإلحاح، صدق الله معه في الاستجابة والعطاء وإني لأقول بحق: مهما اختلفت عقائدنا الدينية، ومهما تغايرت شروحنا لها، فإن لغة أكفنا إذ تنبسط بالافتقار إلى كرم الله لغة واحدة.. وإن نداءنا المنبعث من حلوقنا جميعاً بأنشودة (يا رب) عندما يطوف بنا الكرب، إنما يطرق من السماء باباً واحداً
فلنجعل من أكف افتقارنا إذ تنبسط إلى الله بذلّ، وأنشودة دعائنا إذ تنبعث من قلوبنا بصدق أول علاج لمشكلاتنا كلها ، وصدق الله القائل: {وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة: 186
منقول